بعد الحديث عن اتفاق طهران وواشنطن وما قد يحمله من تحولات على مستوى المنطقة، برز ملف العقوبات الإيرانية ومن ضمنها الأموال المجمدة كأحد أبرز البنود المرتبطة بالمرحلة المقبلة. وعلى الرغم من اعتبار البعض بأن هذه الخطوة قد تمنح الاقتصاد الإيراني متنفسا في ظل الضغوط المتراكمة، إلا أن الإفراج عن هذه الأموال، وفق الطرح الأميركي، لن يكون خطوة مفتوحة، بل سيبقى مرتبطا بمدى التزام إيران ببنود الاتفاق وبآليات رقابة تحدد كيفية استخدام هذه الموارد.
فهل يشكل الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة ورفع العقوبات فرصة لتعافي الاقتصاد الإيراني، أم أنه قد يعني إعادة تعويم النظام ومنحه مساحة جديدة للاستمرار؟
في هذا الإطار، أكد الخبير في الشؤون الإيرانية وعضو المجلس الوطني في المقاومة الإيرانية حسين داعي الإسلام أنه لا ينبغي النظر إلى الإفراج عن جزء من أموال النظام الإيراني أو تخفيف بعض العقوبات وكأنه حل جذري للأزمة الاقتصادية في إيران، مشيرا إلى أن هذا الإجراء قد يخفف الضغط المالي موقتا، وقد يمنح السلطة قدرة أكبر على إدارة بعض التزاماتها العاجلة، لكنه لا يعالج المرض الأصلي الذي ينهش الاقتصاد الإيراني منذ عقود.
ولفت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن المشكلة في إيران ليست فقط نقص العملة الصعبة أو القيود المصرفية، بل في طبيعة النظام نفسه، معتبرا أن اقتصاد إيران خاضع لمراكز القوة، وتتداخل فيه مصالح حرس النظام، والمؤسسات الأمنية، والشبكات المرتبطة ببيت الولي الفقيه، مع القرار الاقتصادي. وشدد على أن ضخ أموال جديدة في مثل هذه البنية لا يعني بالضرورة تحسين حياة المواطنين، بل قد يتحول إلى وسيلة لإعادة ترميم أدوات السيطرة والقمع.
وأوضح داعي الإسلام أن رفع العقوبات، إذا لم يرتبط بتغيير حقيقي في سلوك النظام وبضمانات واضحة، يمكن أن يمنح السلطة متنفسا قصير الأمد، لكنه لا يستطيع أن يحول اقتصادا قائما على الفساد والاحتكار وسوء الإدارة إلى اقتصاد منتج ومستقر، لافتا إلى أن الأزمة الإيرانية أعمق من أن تحل عبر تحرير أرصدة أو زيادة صادرات النفط.
وبيّن أن النقاش الدائر داخل النظام نفسه حول التفاهم مع واشنطن يكشف هذه الحقيقة، موضحا أن الصراع ليس حول كيفية إنقاذ الشعب من الفقر، بل حول كيفية استخدام الاتفاق لتثبيت النظام أو منع تفكك قاعدته الأيديولوجية، وهذا يعني، وفقا لرأيه، أن الأموال، إذا وصلت إلى يد النظام، ستدخل أولا في حسابات البقاء السياسي، لا في حسابات التنمية والعدالة الاجتماعية.
ورأى داعي الإسلام أن النظام الإيراني حتى لو حصل على موارد مالية إضافية، لن تشهد إيران تحسنا حقيقيا في حياة العمال أو المتقاعدين أو الطبقة الوسطى، متحدثا عن تجارب سابقة حصلت واستمر فيها التضخم، وتوسع الفقر، وهروب الكفاءات، وتضخم ميزانيات الأجهزة الأمنية والعسكرية والمشاريع الخارجية. واعتبر أن السؤال الحقيقي ليس كم سيحصل النظام من أموال، بل أين ستذهب هذه الأموال؟
وأشار إلى أن أي تخفيف اقتصادي غير مشروط قد يساعد النظام على شراء الوقت، لكنه لا يعيد إليه الثقة الشعبية التي فقدها، مؤكدا أن المجتمع الإيراني لا يعاني فقط من الغلاء، بل من غياب العدالة، ومن القمع، ومن احتكار السلطة والثروة، وهذه عوامل لا تعالجها الأموال المجمدة إذا بقيت البنية السياسية كما هي، وفقا لرأيه.
واعتبر داعي الإسلام أنه يمكن أن يؤدي أي رفع جزئي للعقوبات إلى تهدئة موقتة في سعر العملة أو الأسواق، وربما يعطي الحكومة قدرة محدودة على إدارة الأزمة، مشددا على أن هذا لا يعني تعافيا اقتصاديا، فالتعافي الحقيقي، بحسب رأيه، يحتاج إلى شفافية، ومحاسبة، ووقف الفساد، وإنهاء هيمنة المؤسسات الأمنية على الاقتصاد، ووضع ثروات البلاد في خدمة المواطنين.
وأشار إلى أن الإفراج عن الأموال ليس تعويما للنظام بشكل كامل، إنما هو، وفقا لرأيه، أقرب إلى جرعة أوكسجين موقتة لنظام مأزوم، قد تؤخر بعض مظاهر الانفجار الاقتصادي، لكنها لا تلغي أسباب الأزمة، لافتا إلى أن النظام الذي أنفق ثروات إيران على القمع والحروب والتدخلات الخارجية لا يستطيع أن يصبح فجأة نظاما اقتصاديا رشيدا لمجرد أن جزءا من أمواله أفرج عنه، فجوهر الأزمة وفقا لداعي الإسلام هو "سياسي قبل أن يكون ماليا".
وعليه، يبقى الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة ورفع العقوبات مرتبطين بمدى قدرة طهران على الالتزام بالشروط المطروحة، فيما يبقى التحدي أمام النظام الإيراني الذي لطالما وجهت إليه انتقادات باستخدام أموال الشعب لتمويل أذرعه الإقليمية، في كيفية تحويل هذا الانفراج المالي إلى تغيير اقتصادي فعلي ينعكس على الداخل الإيراني.