تتجه الأنظار إلى الجمعة المقبل، الموعد المرتقب لتوقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، وسط ضبابية لا تزال تحيط ببنوده وتفاصيله التي لم تكشف كاملة بعد. فمضمون هذا الاتفاق وحدوده العملية هما اللذان سيحددان في نهاية المطاف من خرج رابحا ومن خرج خاسرا من المواجهة الأخيرة بين البلدين.
وفي وقت يسارع فيه محور الممانعة إلى اعتبار مجرد التوصل إلى الاتفاق انتصارا بحد ذاته، تبقى العبرة في النتائج النهائية وفي التفاصيل الدقيقة التي ستكشفها النصوص والآليات التنفيذية، لأنها وحدها الكفيلة بتقديم قراءة موضوعية تحدد أي الطرفين رجحت كفته على حساب الآخر.
فماذا ستحمل الساعات والأيام التي ستلي الجمعة المقبل؟ وهل سيشكل الاتفاق بداية مرحلة جديدة من الاستقرار أم مقدمة لتحولات ومفاجآت غير محسوبة؟ أسئلة ستتكفل الأيام القليلة المقبلة بالإجابة عنها، وإن غدا لناظره قريب.
وفي هذا السياق، رأى الكاتب والمحلل السياسي أحمد عياش أن المسار القائم بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران دخل مرحلة جديدة مع اقتراب موعد التوقيع المتوقع على الاتفاق بين الطرفين، مشيرا إلى أن الأنظار تتجه نحو قراءة النص النهائي للاتفاق وفهم تفاصيله وتداعياته السياسية والإقليمية.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن المواقف الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه فانس تعكس استمرار لغة الحذر في التعاطي مع الملف الإيراني، لافتا إلى أن الإدارة الأميركية، وبعد تجربة طويلة من المفاوضات وإعداد الاتفاق، لا تزال تتعامل مع طرف تعتبره سريع التحول ومتقلب المواقف. وقال إن الصعوبات التي رافقت الوصول إلى الإعلان الأولي عن الاتفاق، إلى جانب المعطيات الآتية من الداخل الإيراني، تعزز مناخ الشك أكثر مما تعزز مناخ اليقين.
وأشار عياش إلى أن المشهد الإيراني يكشف وجود تناقضات داخلية واضحة، إذ لا يبدو أن هناك مرجعية واحدة مستقرة تتحكم بمسار القرار، بل تتعدد مراكز القوى والنفوذ، الأمر الذي يجعل من الصعب التنبؤ بمسار الأحداث في أي لحظة، لافتا إلى أن المعلومات تحدثت عن حركات احتجاج داخل إيران ضد المفاوضات نفسها، وعن انتقادات طالت عددا من المسؤولين المعنيين بهذا المسار.
وأكد أن مرحلة الشك لا تزال تتقدم على مرحلة اليقين، وأنه حتى في حال حصل التوقيع على الاتفاق الجمعة المقبل، فإن أحدا لا يستطيع الجزم بما يمكن أن تحمله الأيام اللاحقة، معتبرا أن الرئيس الأميركي يرسم لنفسه خطوط حماية سياسية في حال تعرض الاتفاق أو الواقع القائم للانهيار في أي لحظة، بحيث يكون قد هيأ الرأي العام لمختلف الاحتمالات.
وفي ما يتعلق بالوضع الداخلي الأميركي، رأى عياش أن هناك صراعا سياسيا قائما بين الرئيس دونالد ترامب وخصومه من الحزب الديمقراطي، مشيرا إلى أن فترة الـ 60 يوما المنصوص عليها في الاتفاق من أجل بلورة تفاهم نهائي بشأن الملف النووي ستكون موضع متابعة دقيقة. وقال إن الأنظار تتجه لمعرفة ما إذا كان الاتفاق المرتقب سيأتي بمستوى الاتفاق النووي السابق لعام 2015 أو سيكون أقل منه قوة وتأثيرا.
وأوضح أن الديمقراطيين يستعدون لانتقاد أي تنازل قد يقدمه الجمهوريون، وقد يعتبرون أن كل الضغوط والتشدد الذي مورس خلال السنوات الماضية انتهى إلى نتائج أدنى مما تحقق في العام 2015، لافتا إلى أن هذه المرحلة تكتسب أهمية خاصة نظرا لتزامنها مع استحقاقات سياسية وانتخابية داخل الولايات المتحدة، من بينها الانتخابات النصفية.
واعتبر عياش أن لهجة الحذر التي يعتمدها الرئيس ترامب وعدم اندفاعه نحو التفاؤل المفرط يهدفان إلى حماية موقعه السياسي وإدارته، حتى لا يتعرض لاحقا لاتهامات بأنه قدم تنازلات قد تكون مكلفة على مستوى صورته السياسية وعلى مستوى السياسات التي دافع عنها خلال السنوات الماضية.
وعن صورة الولايات المتحدة الأميركية بعد المواجهة الأخيرة مع إيران، أكد أنه لا يمكن القيام بمقارنة عسكرية بين الطرفين، نظرا للفارق الكبير في القدرات والإمكانات. وقال إن إيران تكبدت خسائر عميقة، تمثلت في فقدان شخصيات وقيادات بارزة من الصفوف الأولى، معتبرا أن الحديث عن توازن عسكري بين الطرفين لا يستند إلى معطيات واقعية.
وأشار عياش، في المقابل، إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في طبيعة الأنظمة الأيديولوجية التي لا تنظر إلى الخسائر بالطريقة التقليدية، بل قد تحول الهزائم إلى انتصارات رمزية داخل خطابها السياسي. وقال إن بعض السلطات القائمة على أيديولوجيات مغلقة تستطيع تقديم الواقع السيئ على أنه إنجاز، وتحويل الخسائر إلى مكاسب معنوية في خطابها الموجه إلى جمهورها.
ورأى أن معالجة هذا النوع من الأنظمة تبقى عملية صعبة وطويلة، وأن القوى الخارجية لا تستطيع وحدها تغيير الاتجاهات الداخلية ما دامت تتعامل مع أطراف تحكمها أفكار أيديولوجية متشددة تنظر إلى الواقع من منظار مختلف.
وحول ما يتردد عن احتمال سعي ترامب إلى تجنب أي تصعيد كبير خلال فترة إقامة كأس العالم لكرة القدم، قال عياش إنه لا يستبعد حاجة الأطراف إلى فترة من الهدوء بعد المسار المعقد الذي شهدته المرحلة الماضية، إلا أنه لا يعتقد أن حدثا رياضيا، مهما كانت أهميته، يمكن أن يكون العامل الحاسم في اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى تتعلق بالحرب أو السلم.
أضاف إن الولايات المتحدة، إذا كانت ترى مصلحة حقيقية في أي خيار استراتيجي، فلن تربط قرارها باستحقاق رياضي أو مناسبة مماثلة، معتبرا أن المصالح الأميركية العميقة تتجاوز مثل هذه الاعتبارات بكثير.
وأكد عياش أن المشهد لا يزال يفتقر إلى المعطيات الحاسمة، وأن السؤال الأساسي يتمثل في معرفة ما إذا كانت تحولات عميقة قد حصلت فعلا داخل إيران بما يسمح للرئيس ترامب بالمضي قدما في خياراته من دون تردد، مشددا على أن الانتظار لا يرتبط باعتبارات شكلية، بل بمتابعة تطورات أكثر عمقا وتأثيرا.
وفي الشأن اللبناني، علق على موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري المرحب بالاتفاق الأميركي - الإيراني ووصفه كل من ينتقده أنه "غير فخور بلبنانيته"، معتبرا أن من حق أي طرف أن يرحب بأي تطور يراه إيجابيا، إلا أن الاتفاق بين واشنطن وطهران يبقى اتفاقا يخص الطرفين بالدرجة الأولى، بينما تبقى القضية اللبنانية قضية مختلفة لها مسارها الخاص.
وأكد عياش أن لبنان مقبل على استحقاقات كبيرة تتعلق بمستقبله السياسي والأمني، وأن المطلوب هو الاستعداد لمعالجة القضايا اللبنانية الداخلية بدل الاكتفاء بمتابعة التطورات الخارجية، لافتا إلى أن أي تفاهمات مستقبلية مرتبطة بالوضع اللبناني ستكون مرتبطة بمسار خاص وباتفاق لبنان مع إسرائيل وبرعاية أميركية.
ودعا الرئيس بري لمعالجة العنوان المركزي في الأزمة اللبنانية الذي يتمثل في قضية نزع سلاح حزب الله، مشددا على أن هذه المسألة ستبقى حاضرة في صلب النقاش السياسي اللبناني.
ورأى أن بري يحاول نقل الاهتمام من القضايا الجوهرية إلى قضايا أخرى، فيما تبقى التحديات الأساسية التي يواجهها لبنان بحاجة إلى معالجة مباشرة وواضحة.
وعليه، وحتى موعد التوقيع، سيبقى الشك متقدما على اليقين، لأن قيمة الاتفاق لن تقاس بالإعلان عنه، بل بما يتضمنه من التزامات وتوازنات ونتائج فعلية. أما الحكم النهائي على الرابح والخاسر، فسيبقى رهنا بما ستكشفه الأيام التي تلي الجمعة، لا بما يعلنه كل طرف اليوم.