June 16, 2026   Beirut  °C
سياسة

الناشط الإيراني الأحوازي يوسف عزيزي: من المبكر إصدار أحكام على الاتفاق.. والتظاهرات لم تؤثر بالمفاوضات

يطرح السؤال نفسه بقوة عقب الإعلان عن التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، حول ما إذا كان هذا الاتفاق سيؤدي إلى تغيير في طبيعة النظام الإيراني أو في سياساته الداخلية والخارجية، وما إذا كانت واشنطن قادرة على إحداث تحول في نهج طهران الراديكالي.

كما تثير التظاهرات التي عمت مناطق عدة في إيران عقب الإعلان عن قرب توقيع الاتفاق، والتي تخللها تنديد برئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، تساؤلات حول ما إذا كانت بنود الاتفاق تصب في مصلحة الدولة والنظام الإيرانيين، أم أن بعضها قد ينتقص من امتيازات راكمها هذا النظام على مدى عقود.

وفي هذا الإطار، أكد الكاتب والناشط الإيراني الأحوازي يوسف عزيزي أن قراءة مستقبل العلاقات الإيرانية - الأميركية تتطلب الأخذ في الاعتبار مجموعة من العوامل المهمة، وفي مقدمتها مدى تطور العلاقة بين البلدين خلال المرحلة المقبلة، لافتا إلى أنه من المبكر إصدار أحكام نهائية بشأن طبيعة هذه العلاقة، إذ لا يزال ملف البرنامج النووي الإيراني بحاجة إلى مزيد من الوقت والحسم. وتوقع أن تتضح الصورة بشكل أكبر خلال شهرين أو أكثر.


وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن التطورات المقبلة ستكشف ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتجه نحو استئناف العلاقات الدبلوماسية والسياسية مع إيران، أو ما إذا كانت الشركات الأميركية ستدخل السوق الإيرانية عبر استثمارات في قطاع النفط أو في مجالات اقتصادية أخرى.


وفي ما يتعلق بالأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، أوضح عزيزي أن الأيام المقبلة، وربما اعتبارا من يوم الجمعة، ستكشف حجم الأصول والأموال التي يمكن الإفراج عنها في إطار أي تفاهمات جديدة، الفتا إلى أن النظام الإيراني قد يستخدم جزءا من هذه الأموال لمعالجة الأزمات الاقتصادية الحادة التي تعاني منها البلاد، بينما قد يذهب جزء آخر منها إلى دعم الجماعات الحليفة له في لبنان واليمن والعراق وغيرها من الدول.


وأكد أن المجتمع الإيراني يواجه مجموعة من المطالب المتراكمة، وفي مقدمها معالجة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، بما في ذلك التضخم وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، مشيرا إلى أن إيران شهدت، حتى بعد انتهاء الحرب، احتجاجات وتحركات مطلبية شارك فيها المعلمون والمتقاعدون والعمال والعاطلون عن العمل وشرائح اجتماعية مختلفة، الأمر الذي يعكس استمرار حالة الاحتقان الشعبي.


وقال عزيزي إن عودة الاحتجاجات تبقى احتمالا قائما إذا لم يتمكن النظام الإيراني من معالجة المشكلات الاقتصادية بصورة جذرية وأساسية، موضحا أن انخفاض سعر الدولار أمام العملة الإيرانية خلال الساعات الأخيرة، بما يقارب 25%، جاء نتيجة التأثير النفسي للأخبار المتداولة حول المفاوضات والتفاهمات المحتملة، إلا أن استمرار هذا التحسن يبقى رهنا بالتطورات السياسية والاقتصادية المقبلة.


وشدد على وجود مجتمع مدني إيراني فاعل، على الرغم من ما تعرض له من ضغوط وتأثيرات خلال السنوات الماضية، معتبرا أنه من أكثر المجتمعات المدنية حيوية في المنطقة. وأكد أن هذا المجتمع سيواصل أداء دوره إذا لم يقدم النظام الإيراني إصلاحات حقيقية تشمل تخفيف القبضة الأمنية والاستبداد، والحد من التدخلات الإقليمية، ومعالجة الإخفاقات الاقتصادية المتراكمة. ورأى أن الدور الإيجابي للمجتمع المدني الإيراني سينعكس بالدرجة الأولى داخل إيران، لكنه سيترك آثارا إيجابية على محيطها الإقليمي أيضا.


وفي معرض تعليقه على التظاهرات التي شهدتها بعض المدن الإيرانية احتجاجا على الاتفاق الإطاري، أوضح عزيزي أن هذه التحركات تقودها تيارات اليمين الديني المتشدد التي ترفض أي تفاوض مع الولايات المتحدة. وقال إن هذه التيارات تنطلق من اعتبارات أيديولوجية ترى في الولايات المتحدة عدوا مسؤولا عن استهداف المرشد علي خامنئي وشخصيات عسكرية وسياسية وعلماء مرتبطين بالبرنامج النووي الإيراني.


وأشار كذلك إلى وجود أطراف اقتصادية تستفيد من استمرار العقوبات المفروضة على إيران، بما في ذلك شبكات تهريب النفط والسلع والأموال، وهي جهات لا ترى مصلحة لها في التوصل إلى اتفاق يرفع القيود الاقتصادية ويعيد إيران إلى الأسواق العالمية بصورة طبيعية، موضحا أن المعسكر المعارض للاتفاق يضم مزيجا من الإسلاميين الراديكاليين المرتبطين بالسياسي المحافظ سعيد جليلي، إضافة إلى مجموعات اقتصادية نافذة تستفيد من اقتصاد العقوبات والتهريب. واعتبر أن هذه القوى تحظى بدعم ما يعرف بـ "جبهة الصمود"، التي تعد من أبرز التيارات المحافظة المتشددة في إيران.


ومع ذلك، استبعد عزيزي قدرة هذه الأطراف على تعطيل المسار التفاوضي، خصوصا بعد موافقة المرشد مجتبى خامنئي على الاتفاق الإطاري ودعمه للمسار التفاوضي، مشيرا إلى أن التظاهرات التي شهدتها مدن مثل طهران وهمدان وأصفهان لم تتمكن من إحداث تأثير حقيقي على مجريات المفاوضات. ورأى أن المتشددين لا يشكلون في المرحلة الراهنة خطرا فعليا على استمرار هذا المسار.


وفي ختام هذا المشهد، يتضح أن أي اتفاق بين طهران وواشنطن لن يقاس بمجرد توقيعه، بل بمدى استعداد إيران لإعادة صياغة سياساتها الداخلية والخارجية بما ينسجم مع متطلبات الاستقرار الإقليمي. ويبدو أن الاختبار الحقيقي يتمثل في قدرة طهران على فتح صفحة جديدة مع دول الخليج العربي، التي كانت الأكثر تضررا من تداعيات الحرب الأميركية - الإيرانية، عبر بناء علاقات قائمة على حسن الجوار وعدم التدخل. كما أن نجاح أي مسار للتهدئة في الشرق الأوسط يبقى مرهونا بمدى التزام إيران بإنهاء سياسة الاعتماد على الأذرع العسكرية في المنطقة، والتوجه نحو تسويات سياسية تعيد الثقة مع محيطها الإقليمي، وتؤسس لمرحلة أكثر توازنا وأمنا للجميع.