June 15, 2026   Beirut  °C
سياسة

طارق شندب يكشف: سوريا تلقت دعوات للتدخل العسكري في لبنان والشرع رفض

نفى الرئيس السوري أحمد الشرع بشكل قاطع ما يتم تداوله حول احتمال دخول قوات سورية إلى الأراضي اللبنانية، واصفًا هذه الأنباء بأنها شائعات لا أساس لها من الصحة. وأكد أن توجه السياسة السورية في المرحلة الحالية يقوم على دعم كل الجهود الهادفة إلى وقف الحرب في لبنان، وليس توسيع نطاقها أو الانخراط فيها.

وخلال لقائه وفدًا من أهالي ريف دمشق، تطرق الشرع إلى أبرز ملفات السياسة الخارجية مع دول الجوار، مشيرًا إلى أن مسألة ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا ليست مطروحة كأولوية في الوقت الراهن، في ظل وجود قضايا أكثر إلحاحًا تتصدر الاهتمام، وفي مقدمتها ملف النازحين السوريين في لبنان وضرورة إيجاد حلول عملية له.


وفي هذا السياق، قال أستاذ القانون الدولي الدكتور المحامي طارق شندب، إن سوريا تلقت في أكثر من مناسبة دعوات للتدخل عسكريًا في لبنان، سواء بعد ما وصفه بـ"تحرير سوريا" مباشرة عقب معركة "ردع العدوان"، أو خلال فترات سابقة امتدت على مدى السنة والنصف الماضية، مشيرًا إلى أن أكثر من جهة تحدثت عن ذلك، بل إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أشار إلى هذا الأمر أيضًا.


وأوضح شندب، عبر منصة "بالعربي"، أن موقف الرئيس السوري أحمد الشرع كان واضحًا وحاسمًا، إذ أكد عدم الرغبة في أي تدخل عسكري في لبنان، مشددًا على أن التدخل في الشأن اللبناني لا يصح، وأن القيادة السورية لا تريد إعادة إنتاج العلاقة السابقة بين سوريا ولبنان كما كانت في عهد النظام السابق، بل تسعى إلى بناء علاقة جديدة تقوم على القنوات الدبلوماسية المباشرة عبر السفارة السورية في لبنان.


وأضاف أنه طُرح بالفعل موضوع التدخل السوري في هذا الإطار، وأن المناخ السياسي داخل لبنان كان في بعض الفترات مهيأً لهذا الطرح، إلا أن الرئيس الشرع اتخذ قرارًا واضحًا برفض هذا التوجه، متمسكًا بسياسة عدم التدخل في الشأن اللبناني.


وأكد أن هناك تواصلًا قائمًا بين الإدارة الأميركية والدولة السورية، مشيرًا إلى أنه أصبح لدى سوريا قائم بالأعمال في واشنطن، إلى جانب وجود المبعوث الأميركي إلى المنطقة، السفير الأميركي الحالي لدى تركيا توم باراك، الذي يضطلع بأدوار بارزة في صياغة سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المنطقة وإدارة علاقاته مع الدولة السورية.


وأضاف أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال، نقلًا عن مصادر مقربة منه، إن الرئيس السوري أحمد الشرع كان يتواصل معه في أي وقت، وإن هناك علاقة متينة تجمع بين الطرفين.


وأشار إلى أن ترامب، وبحسب ما نُقل، عبر في أكثر من مناسبة عن احترامه للرئيس أحمد الشرع، مؤكدًا أن العلاقة بينهما جيدة جدًا، كما أعرب عن إعجابه بأدائه السياسي، لافتًا إلى وجود قنوات تواصل مستمرة بين الجانبين، خصوصًا في ما يتعلق بملف رفع العقوبات، إضافة إلى بحث خطوات عملية تهدف إلى إعادة بناء سوريا.


وتابع أن هذه الاتصالات تمتد أيضًا إلى ملفات أخرى تتصل بمنطقة الشرق الأوسط عمومًا، وبالملف السوري على وجه الخصوص، في إطار مساعٍ مستمرة لتعزيز التواصل وإيجاد تفاهمات حول مختلف القضايا الإقليمية.


وفي معرض إجابته عن سؤال حول ما إذا كانت سوريا ستكون مستعدة للتفاوض على شروط سياسية أو أمنية تتعلق بملف حزب الله مقابل انفتاح دولي ودعم اقتصادي لإعادة الإعمار، أم أن هذه الملفات تُعد خطوطًا حمراء، قال إن الأمور السياسية تتغير بين لحظة وأخرى، مشيرًا إلى أن طبيعة الحكم السياسي في سوريا لا تتبدل بهذه السرعة، ومتسائلًا عن حجم التحولات التي شهدتها المنطقة، خصوصًا في ما يتعلق بالعلاقة بين النظام السوري الجديد بقيادة الرئيس أحمد الشرع والإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب، والتي فاجأت الكثيرين، لا سيما في ما يتعلق بملف رفع العقوبات عن سوريا، وعن شخصية الرئيس أحمد الشرع وفريقه السياسي، وعن هيئة تحرير الشام سابقًا، وهو ما لم يكن متوقعًا لدى معظم المحللين والمتابعين للشأن السياسي في المنطقة.


وأشار إلى أن هذا الملف برمته يبقى مرهونًا بالتحولات التي قد تشهدها المنطقة مستقبلًا، لافتًا إلى وجود عمليات تخريب وتهريب سلاح ومخدرات من سوريا وإليها، إضافة إلى محاولات لزعزعة الاستقرار الداخلي، معتبرًا أن هذه التحركات تقودها، بحسب تعبيره، جهات مرتبطة بحزب الله إلى جانب أطراف داخلية أخرى، فضلًا عن ملف "الفلول" في لبنان ومن يحميها، محذرًا من أن هذه الملفات قد تتحول إلى بؤر توتر قابلة للانفجار إذا لم تتم معالجتها بشكل جدي.


وفي السياق نفسه، أكد أن سوريا، حتى هذه اللحظة، ترفض التدخل في الشأن اللبناني كما أعلنت مرارًا وتكرارًا، إلا أن أي متغير إقليمي أو سياسي، أو تطور في هذه العمليات قد يشكل خطرًا على الأمن السوري، قد يدفعها إلى إعادة النظر في خياراتها، مؤكدًا أن السياسة تبقى مجالًا مفتوحًا على جميع الاحتمالات، وأن حماية الأمن الداخلي والمصالح الوطنية تبقى الأولوية الأساسية في أي قرار مستقبلي.


وأضاف شندب أن سوريا ترفض التدخل في الشأن الداخلي اللبناني، لكنها في المقابل تدعم لبنان عبر مسارات تعاون اقتصادية، من بينها إتاحة الفرصة أمام رجال الأعمال اللبنانيين والدولة اللبنانية للمشاركة في عملية إعادة إعمار سوريا، إضافة إلى تسهيل حركة المرور من لبنان إلى سوريا ومنها إلى الدول العربية عبر الأراضي السورية.


ولفت إلى أن سوريا تُعد المنفذ البري الأساسي الذي يربط لبنان بالعالم العربي، مشيرًا إلى ملف مهم يتمثل في ما أعلنه الرئيس السوري أحمد الشرع مؤخرًا بشأن معالجة قضية نحو مليون ونصف مليون لاجئ سوري ما زالوا في لبنان، وهو ما من شأنه أن يخفف عبئًا كبيرًا عن الدولة اللبنانية، وقد يسهم في تحريك عجلة التعافي الاقتصادي في لبنان.


كما أشار إلى ملفات أخرى تتعلق بضبط عمليات تهريب المخدرات والسلع غير المشروعة من لبنان إلى دول عربية عبر سوريا، وتشديد الرقابة على الحدود، موضحًا أن هذه الإجراءات تصب في مصلحة لبنان لأنها تحد من نشاط العصابات التي كانت تؤثر سلبًا في الوضع الاقتصادي والسياسي والأمني، بما في ذلك عصابات الخطف التي كانت تنشط في المناطق الحدودية اللبنانية - السورية، والتي تراجع دورها مع تغير الواقع الأمني.


وأوضح أن هذه التطورات انعكست إيجابًا على الاستقرار الأمني في لبنان، وأسهمت في تعزيز عامل الاستقرار السياسي والأمني، ما يشكل فائدة مباشرة للبنان من تطور العلاقة مع الدولة السورية الحديثة، إلى جانب وجود اتفاقيات سابقة بين البلدين تشمل ملفات متعددة، مثل ترسيم الحدود ونهر العاصي وغيرها من الاتفاقات الاقتصادية.


وبالتالي، فإن هذا الملف سيبقى مطروحًا لإعادة البحث بين الطرفين، نظرًا إلى أن النظام السوري في المرحلة السابقة كان يفرض رؤيته ومصالحه، سواء الحزبية أو الداخلية، على مجمل العلاقات.


وأضاف أنه في ظل الدولة السورية الحديثة، هناك توجه لإعادة النظر في هذه العلاقات بما يخدم الطرفين بشكل متوازن، ومن دون منح أفضلية لطرف على حساب الآخر، وهو ما يمكن أن ينعكس إيجابًا على الوضع اللبناني ويتيح له الاستفادة من هذه العلاقات في مختلف المجالات.


وأوضح شندب أن تصريح الرئيس السوري أحمد الشرع بأن "ترسيم الحدود مع لبنان ليس أولوية حاليًا" يرتبط بعدة اعتبارات سياسية وأمنية، في مقدمتها الظروف التي يمر بها لبنان، ولا سيما استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على أراضيه واحتلال مساحات في الجنوب والبقاع الغربي، ما يجعل ملف الحدود مؤجلًا مقارنة بملفات أكثر إلحاحًا.


وأضاف أن لبنان لا يزال يواجه أيضًا أزمات داخلية متراكمة، من بينها ملف اللاجئين السوريين الذي يُقدّر بنحو مليون ونصف مليون لاجئ، إضافة إلى التوترات المرتبطة بموضوع حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وعدم التزام بعض القوى، وفي مقدمتها حزب الله، بقرارات الحكومة في هذا الإطار، الأمر الذي ينعكس على الاستقرار الداخلي ويؤثر في البيئة الإقليمية المحيطة بملف الحدود.


ولفت إلى أن هذه العوامل مجتمعة تجعل من ملف ترسيم الحدود مسألة معقدة تحتاج إلى استقرار سياسي وأمني أكبر قبل الدخول في تفاصيله، خصوصًا في ظل المخاوف المرتبطة بعمليات التهريب، بما فيها تهريب السلاح، وما قد يشكله ذلك من تهديد مباشر للأمن السوري واللبناني على حد سواء.


وأشار إلى أن الرئيس أحمد الشرع لم يتعامل مع هذا الملف كذريعة أو أداة ضغط، بل أكد التزامه بمبدأ التحكيم الدولي أو أي قرارات تصدر عن محكمة العدل الدولية في هذا الشأن، مع احترام القانون الدولي وما يفرضه من التزامات، وهو ما اعتبره شندب عاملًا إيجابيًا في مقاربة هذا الملف.


وأوضح أن العلاقات بين الجانبين تشهد في المرحلة الحالية انفتاحًا وتنسيقًا أفضل، ما قد يسهم مستقبلًا في تهيئة الظروف المناسبة لفتح ملف ترسيم الحدود ضمن أولويات مشتركة عندما تنضج الظروف السياسية والأمنية لذلك.


وفي ما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية، أشار شندب إلى أنها تُعد جزءًا أساسيًا من منظومة العلاقات الأمنية بين لبنان وسوريا، وتشمل ملفات متعددة مثل الكهرباء وغيرها، إضافة إلى ملف اللاجئين، فضلًا عن تبادل الوفود والتنسيق الأمني الذي قد لا يُعلن عنه دائمًا، لكنه يجري وفق مسارات ثابتة بين الجانبين.


ولفت إلى أن هذه الملفات تُدار اليوم بقدر من التفاهم والتقبل المتبادل للخطط المشتركة بين البلدين، في ظل أجواء عامة من الارتياح، سواء لدى الرئيس جوزيف عون أو رئيس الحكومة نواف سلام، مع ما يشهده المسار من علاقات وُصفت بالجيدة والوطيدة بين لبنان وسوريا، وهو ما شجع عليه الرئيس السوري أحمد الشرع، وكذلك الحكومة اللبنانية.


في المحصلة، يعكس الموقف الحاسم للرئيس أحمد الشرع، إلى جانب القراءة السياسية والقانونية المرتبطة به، توجهًا نحو بناء علاقة أكثر توازنًا بين دمشق وبيروت تقوم على الدبلوماسية والتفاهم بدلًا من منطق الفرض أو الوصاية.


ورغم تأجيل ملف ترسيم الحدود في هذه المرحلة لأسباب أمنية وسياسية، فإن وجود قدر من الارتياح المتبادل بين القيادة السورية وأركان الدولة اللبنانية، مثل الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، يفتح المجال أمام تعزيز التنسيق في ملفات أساسية كالوضع الاقتصادي، وضبط الحدود، وملف النازحين، بما يخدم مصالح البلدين ويحافظ على سيادتهما وأمنهما المشترك.