عاد الحذر والتخوف من الانجرار نحو تصعيد كبير ليخيم مجددا على المشهد الإقليمي، في ظل تهدئة هشة بين الولايات المتحدة وإيران. وتأتي هذه الأجواء في أعقاب إسقاط مروحية هجومية أميركية من طراز "أباتشي" خلال دورية في محيط مضيق هرمز. هذه الحادثة تركت الكثير من علامات الاستفهام حول طبيعة المرحلة الراهنة، وما إذا كانت الأطراف المتنازعة ستسير نحو مواجهة أوسع، من دون قواعد اشتباك مستقرة أو خطوط حمراء ثابتة، خاصة بعد موجة التصعيد بين إيران وإسرائيل والتي تلت هذه الحادثة.
فإلى أي حد ممكن أن تصمد التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، وهل ستنقل حادثة الـ "أباتشي" التوتر إلى مستوى أكثر خطورة؟
في هذا الإطار، اعتبر مسؤول الشؤون السياسية في حزب خط أحمر المحامي والمحلل السياسي محمود الناطور أن ما يحصل بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لا يمكن قراءته ضمن منطق "قواعد اشتباك" مضبوطة، بل ضمن مواجهة مفتوحة تتخذ أشكالا عدة من التصعيد والتهدئة في آن واحد، مشيرا إلى أن ما يطرح على أنه هدوء أو ضبط إيقاع لا يعكس، برأيه، استقرارا حقيقيا، بل هو أقرب إلى "وقف موقت لإطلاق النار" يهدف إلى فتح نافذة للمفاوضات، في ظل اختلال واضح في ميزان القوى لصالح الولايات المتحدة، وقدرتها على توسيع نطاق الحرب أو ضبطها وفق حساباتها الخاصة.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن إيران، في بعض المحطات، تتحرك على أساس تقدير يفترض وجود سقوف غير معلنة للصراع، ما يدفعها إلى تنفيذ عمليات محدودة أو "جس نبض" لقياس رد الفعل الأميركي، غير أن الردود المقابلة غالبا ما تأتي أقسى وأوسع، بما يعيد رفع مستوى التصعيد بشكل سريع، معتبرا أن حادثة طائرة الأباتشي تندرج في هذا السياق كمؤشر على اختبار حدود الرد الأميركي.
وقال الناطو إن ما حصل لا يمكن التعامل معه كحادث ميداني معزول، بل كمحاولة سياسية لقياس مدى جدية الولايات المتحدة في الرد أو التغاضي، خصوصا في ظل التجارب السابقة التي رأت فيها بعض الأطراف إمكانية تمرير بعض العمليات من دون رد واسع، وهو ما لم يتحقق في هذا التطور الأخير.
وفي ما يتعلق بالعلاقة الأميركية - الإسرائيلية، شدد على رفضه للطرح القائل إن إسرائيل تتحكم بالقرار الأميركي، معتبرا أن الولايات المتحدة هي الطرف القائد في إدارة هذا الصراع، وأن إسرائيل تتحرك ضمن سقوف ترسم لها في لحظات مفصلية، مع الإشارة إلى أن تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في بعض المحطات يؤدي إلى وقف أو تعديل مسار العمليات العسكرية.
وتناول الناطور أيضا فكرة التنسيق بين واشنطن وتل أبيب، موضحا أن هذا التنسيق لا يعني تطابقا كاملا في المصالح، بل إدارة تفاوتات قائمة، حيث تبقى الأولوية في النهاية للمصلحة الأميركية، التي قد لا تتطابق دائما بنسبة 100% مع الحسابات الإسرائيلية.
وأشار إلى أن ما يحصل لا يبدو قابلا للمعالجة السريعة أو التسويات الجزئية، بل هو مرتبط بتحول استراتيجي أعمق في المنطقة، قد يؤدي إما إلى تسوية تعيد رسم موقع إيران ودورها الإقليمي بشكل جذري، أو إلى استمرار التصعيد حتى الوصول إلى نتيجة حاسمة، مشددا على أن إيران لن تسلم للهزيمة لأسباب عقائدية وفكرية. ورأى أنه من المحتمل أن تلجأ إلى التصعيد، مستبعدا فكرة أن إيران يمكن أن تعود إلى ما كانت عليه سابقا.
في نهاية المطاف، لا يبدو أن المشهد الإقليمي قد يذهب باتجاه حلول قريبة المدى، وبالتالي سيظل عالقا بين تهدئة هشة، وبين احتمال تصعيد واسع، مع استمرار توجيه الرسائل السياسية بين الحين والآخر.