June 09, 2026   Beirut  °C
سياسة

توم حرب: الولايات المتحدة تلعب دور الأب الأكبر.. والرسائل الأميركية للبنان واضحة باتجاه تنظيف حزب الله

أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة في برنامج Meet The Press على شبكة NBC في توقيت بالغ الحساسية، تساؤلات حول طبيعة التحولات في العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب، وما إذا كانت تعيد رسم حدود جديدة للتنسيق بين الجانبين في الملفات الإقليمية الساخنة. وبينما يؤكد ترامب متانة علاقته برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ويستحضر ما يصفه بـ "الإنجازات المشتركة"، فإن حديثه عن وجود تباينات في مقاربة بعض الملفات، لا سيما لبنان وسوريا، فتح الباب أمام قراءات عدة: هل يعكس ذلك اختلافا حقيقيا في الرؤى، أم أنه يأتي في إطار إعادة توزيع الأدوار بين الحليفين ضمن استراتيجية واحدة؟

وفي هذا السياق، قال مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية وعضو الحزب الجمهوري في أورلاندو فلوريدا توم حرب إنه لا يوجد أي اختلاف في المواقف الاستراتيجية بين رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تجاه ملفات المنطقة، سواء في لبنان أو غزة أو اليمن أو العراق وصولا إلى إيران، موضحا أن الموقف الاستراتيجي المشترك بين الطرفين يقوم على ثوابت واحدة، أبرزها: رفض امتلاك إيران للسلاح النووي، تقليص قدراتها الصاروخية الباليستية، ووقف دعم أذرعها في المنطقة.


وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن هناك تفاوتا وحيدا بين الطرفين يتعلق بموضوع تغيير النظام في إيران، إذ إن نتنياهو يميل إلى دعم فكرة إسقاط النظام الإيراني، في حين أن ترامب، على الرغم من أنه قد تكون لديه في وقت ما نية باتجاه تغيير النظام، إلا أنه أعاد حساباته بعد المواقف الدولية، خصوصا الأوروبية، وعدم السماح باستخدام القواعد العسكرية، إضافة إلى أن الدول العربية لم تتخذ مواقف تصعيدية كبيرة، ولم تقم بطرد السفراء الإيرانيين، ولم تسحب سفراءها من إيران، كما أن الشارع الإيراني لم يظهر تحركات واسعة خلال الحرب.


وقال حرب إن ترامب بات يرى أن الذهاب نحو تغيير النظام قد يؤدي إلى فوضى داخل بلد يضم نحو 90 مليون نسمة. وبناء عليه، فضّل التوجه نحو اتفاق بالشكل الذي يريده هو وإسرائيل، باستثناء بند تغيير النظام.


وتابع أن هذا هو الموقف الأقرب إلى الرسمي حاليا، مع الإشارة إلى أن كل الأطراف تلعب أدوارا مختلفة، لكن الضغط العسكري الإسرائيلي والأميركي والحصار المفروض على إيران قد يقود في النهاية إلى النتيجة ذاتها.


أما بالنسبة للتصريحات والبيانات التي صرح بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قال حرب إنه لا يوجد تباين في المواقف بين الحليفين، الولايات المتحدة وإسرائيل، ضمن ما يُعبر عنه أحيانا بأسلوب "الحليف الجيد والحليف الصارم"، حيث يتحرك الطرفان ضمن إطار واحد لكن بأدوار مختلفة. فمن جهة، تمتلك الولايات المتحدة مؤسسات عدة يجب مراعاتها، إضافة إلى اقتصاد داخلي، واستحقاقات انتخابية مقبلة، وحلفاء دوليين، ما يدفعها للعب دور "الأب الأكبر" في إدارة التوازنات الدولية. أما الجانب الإسرائيلي، فينطلق من أولوية البقاء في المنطقة، مع معرفة دقيقة بما يصفه بـ "الفاعلين السيئين"، ما يجعله يميل إلى تنفيذ ضربات استثنائية ومحددة عند الحاجة.


ومن هذا المنطلق، أوضح أن الرسائل الأميركية تفيد بأن لإسرائيل حرية التحرك في لبنان، مع استثناء واضح يتمثل بعدم استهداف بيروت، بهدف تفادي خلق فوضى في العاصمة. فمثل هذا السيناريو قد يدفع الأوروبيين إلى التحرك، بما في ذلك احتمال أن يدعو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى اجتماع طارئ في مجلس الأمن، وهو ما تسعى واشنطن إلى تجنبه، لأنها لا ترغب في الدخول بمواجهة دبلوماسية أو استخدام حق النقض (الفيتو) أمام الرأي العام الدولي. وبالتالي، يُفهم أن أي اجتماع في مجلس الأمن لا يتماشى مع مقاربة الإدارة الأميركية في هذا الملف، لأنها تفضل تجنب التصعيد الدبلوماسي المباشر.


كما أشار حرب إلى أنه في مرحلة سابقة طُلب عدم استهداف بيروت، قبل أن يعود الحديث لاحقا إلى إمكان تنفيذ عمليات استثنائية لضمان أمن إسرائيل في لبنان، ضمن إطار يمنع الانزلاق إلى فوضى شاملة في المدن الكبرى.


أما بالنسبة لمواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه سوريا ولبنان وحزب الله في هذا التوقيت، فرأى أن الرسائل الأميركية موجهة بشكل مباشر إلى الدولة اللبنانية، ومفادها: "يجب عليكم أن تنظفوا حزب الله، ونحن سنساعد الجيش"، معتبرا أنها رسالة واضحة بهذا الاتجاه. وقال حرب إن هذه المقاربة لا ترتبط بشخص بعينه داخل سوريا، مشيرا إلى أنه ليس من الضروري أن يكون الرئيس السوري أحمد الشرع هو الذي يتدخل، لأن الرئيس ترامب يترك دائما مساحة من الغموض أو التشكيك في الخيارات المطروحة، بما في ذلك احتمال إرسال قوات إفريقية أو من جنسيات عدة، شرط أن تكون تحت مظلة الفصل السابع، بما يسمح لها بالتحرك وتنفيذ مهام ميدانية تتجاوز مجرد الانتشار، بحيث تكون قادرة على التدخل وفق قرارات دولية.


ولفت حرب إلى أن هذا الطرح يترافق مع رسائل ضغط إضافية على سوريا، وفي الوقت نفسه مع مقاربة مختلفة داخل لبنان، حيث يرى أن بيروت يمكن احتواء وضعها عبر الجيش اللبناني أو عبر توازنات ميدانية قائمة، في حين يُنظر إلى أن المنطقة التي تحتاج إلى معالجة أكبر، بحسب هذا التصور، هي منطقة البقاع، باعتبارها الأكثر تعقيدا من وجهة نظره، وبالتالي تحتاج إلى ما يُسمى "تنظيفا" أمنيا أوسع.


وتابع: هذا التوجه يعكس وجود خيارات عدة مطروحة على الطاولة، وليس خيارا واحدا، وأنه يُستخدم أيضا كرسالة موجهة إلى إيران مفادها: "توقفوا عن دعم حزب الله"، لأن هناك بدائل وخيارات أخرى يمكن اللجوء إليها في حال استمرار هذا الدعم، مع إبقاء كل السيناريوهات مفتوحة دون حسم نهائي في المرحلة الحالية. لكن، بحسب رأيه الشخصي، فإن دخول أي سوري إلى لبنان، لا سيما إلى منطقة البقاع، خصوصا في حال كان المقصود الرئيس السوري أحمد الشرع، يُعد أمرا مرفوضا، مشيرا إلى ما يُقال عن أن جنوده ارتكبوا مجازر بحق العلويين والدروز والمسيحيين.


وقال حرب إن هذا الطرح، من وجهة نظره، يجعل هذا الخيار غير مقبول بشكل واضح. وتابع أن الرئيس ترامب يكون على دراية بهذه المعلومات، وأنها متوفرة لديه، إلا أن هذا الطرح يُفهم على أنه أقرب إلى أسلوب التهديد السياسي أو الضغط، أكثر من كونه خطة تنفيذية فعلية، أي أن المقصود منه إظهار الخيارات والرسائل السياسية، وليس بالضرورة الإشارة إلى قرار نهائي سيُتخذ أو يُنفذ على أرض الواقع.


وبناء على ذلك، لا يمكن النظر إلى تصريحات ترامب على أنها تعكس شرخا داخل التحالف مع تل أبيب، بل تبدو أقرب إلى إعادة ضبط دقيقة للمسارات وتوزيع أكثر وضوحا للأدوار. فهي صيغة تمنح إسرائيل هامش القوة العسكرية على الأرض، فيما تبقى واشنطن ممسكة بمفاتيح القرار السياسي وحدود الحركة.


وفي المحصلة، تبدو دمشق وبيروت أمام مرحلة أكثر تعقيدا، تُدار فيها الملفات بمنطق الصفقات وتوازنات القوة، حيث تتراجع اللغة التقليدية لصالح حسابات واقعية تعيد رسم الأولويات والخرائط وفق ما تفرضه المصالح لا الشعارات.