بعدما أعلن زعيم التيار الوطني الشيعي، مقتدى الصدر، بيانا أعلن انفصال "سرايا السلام" عن التيار الشيعي الوطني بشكل تام وإلحاقها بالدولة العراقية، اتجهت الأنظار نحو تداعيات هذه الخطوة وانعكاساتها على ملف السلاح خارج الشرعية في المنطقة، لا سيما في لبنان حيث عاد ملف سلاح حزب الله إلى واجهة النقاش السياسي.
وفي وقت رحبت فيه الحكومة العراقية بالخطوة ودعت باقي الفصائل المسلحة إلى القيام بالخطوة نفسها، انقسمت الآراء حول فرص تطبيق القرار على أرض الواقع وانعكاساته على مستقبل الفصائل المسلحة في العراق.
فهل يشكل قرار الصدر بداية مرحلة جديدة عنوانها حصر السلاح بيد الدولة؟ وإلى مدى يمكن أن تنعكس هذه الخطوة على الداخل اللبناني وسلاح حزب الله؟
في هذا السياق، أكد الكاتب والناشط السياسي ومؤسس حركة تحرر الدكتور علي خليفة أن قرار مقتدى الصدر يأتي في إطار إنهاء دور التشكيلات المسلحة التي شكلت رديفا للدولة في مجالي الدفاع والأمن، وهما من الوظائف الحصرية للدولة، معتبرا أن هذه الأذرع نشأت في مرحلة كان فيها النفوذ الإيراني في المنطقة في أوج تمدده، وبالتالي فإن تراجع دورها اليوم يعكس تراجع هذا النفوذ. ورأى أن الصدر استشرف مبكرا هذا التحول، فبادر إلى اتخاذ خطوة تنسجم مع المتغيرات الإقليمية القائمة.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن تنفيذ القرار على الأرض لن يكون سهلا، إذ تعترضه جملة من العقبات المرتبطة بالانقسامات داخل الساحة الشيعية العراقية وبمصالح إيران المستفيدة من استمرار هذه التشكيلات، لافتا إلى أن بعض المنتفعين مما بقاء الوحدات المدعومة من إيران قد يحاولون عرقلة التنفيذ من خلال افتعال توترات أو إشكالات أمنية بهدف الحفاظ على الواقع القائم.
وشدد خليفة على أن حصر السلاح بيد الدولة يشكل النقيض للمشروع الذي اعتمدت عليه إيران خلال سنوات تمددها في المنطقة، معتبرا أن المرحلة الحالية تمثل محطة مفصلية يتراجع فيها نفوذ طهران وتتقدم فيها فكرة الدولة ومؤسساتها. وقال إن أدوار الدفاع والأمن لا يمكن أن تتقاسمها الدولة مع أي فصيل مسلح آخر، لأن ذلك يتعارض مع مبدأ سيادة الدولة وحصرية السلاح بيدها.
وعن المقارنة بين العراق ولبنان، أوضح أن هناك نقاط تشابه ناجمة عن استثمار إيران في الساحتين، إلا أن لكل منهما خصوصيته. فلبنان يشهد مواجهة مباشرة بين إسرائيل وحزب الله، فيما تواجه الولايات المتحدة الفصائل المدعومة من إيران في العراق، معتبرا أن ما يحصل في العراق قد يكون مرتبطا بتقدم فرص التفاهم بين واشنطن وطهران، في حين أن المشهد اللبناني لا يزال يتجه نحو استمرار الضغوط والمواجهات المرتبطة بملف سلاح حزب الله.
وأشار خليفة إلى أن قرار الصدر يسلط الضوء مجددا على مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، إلا أن التجربة العراقية لا يمكن استنساخها حرفيا في لبنان بسبب اختلاف الظروف والسياقات. ورأى أن ما قام به الصدر يعكس قراءة مبكرة لتراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، وقد يشكل مؤشرا على تحولات أوسع قد تنعكس مستقبلا على الساحة اللبنانية، وإن كانت الآليات والمسارات مختلفة بين البلدين.
وعليه، يبدو أن القراءة المبكرة والصائبة من قبل مقتدى الصدر شكلت محطة لافتة في المشهد العراقي، وأعادت إلى الواجهة النقاش حول مستقبل الفصائل المسلحة ودور الدولة في احتكار السلاح، بانتظار ترجمة هذا القرار إلى خطوات عملية على أرض الواقع.