في ظل المسار المتقلب للمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت الاتصالات الجارية ستنجح فعلا في الوصول إلى اتفاق نهائي، أم أن المنطقة تقف أمام مرحلة جديدة من التصعيد السياسي وربما العسكري. فبعد موجة تفاؤل سادت خلال الساعات الماضية بإمكان تحقيق اختراق في الملف النووي الإيراني، عادت المواقف المتشددة من طهران وواشنطن لتعيد خلط الأوراق، وتطرح علامات استفهام حول حقيقة الاتجاه الذي ستسلكه المفاوضات في المرحلة المقبلة.
هذا التذبذب بدا واضحا بين التصريحات الإيرانية التي نفت الاقتراب من أي اتفاق، والمواقف الأميركية التي رفع فيها الرئيس دونالد ترامب سقف شروطه، مؤكدا أن أي تفاهم لن يكون نسخة مكررة عن اتفاق عهد الرئيس السابق باراك أوباما، بل اتفاقا يحقق ما وصفه بـ"الصفقة العظيمة"، وإلا فلا اتفاق على الإطلاق.
لكن تداعيات هذا الاشتباك السياسي لا تقتصر على إيران وحدها، بل تمتد إلى ساحات النفوذ الإقليمي، وفي مقدمها لبنان، الذي يعود مجددا إلى واجهة التجاذب الدولي والإقليمي. فمع استمرار التوتر على الجبهة الجنوبية، وعودة الحديث عن الضغوط المرتبطة بملف سلاح حزب الله، تتصاعد المخاوف من أن يتحول لبنان إلى إحدى أوراق التفاوض الأساسية بين واشنطن وطهران.
وفي موازاة ذلك، برزت معلومات عن قلق فرنسي من أن يأتي أي اتفاق محتمل على حساب الواقع اللبناني، سواء عبر تثبيت الوضع الميداني الحالي في الجنوب، أو عبر إبقاء الملفات السيادية والأمنية عالقة من دون حلول واضحة، ما يفتح الباب أمام مرحلة دقيقة قد تحمل مزيدا من الضغوط والتوترات على الساحة اللبنانية.
وفي تفسيره لتطورات ملف المفاوضات الأميركية - الإيرانية، أشار الكاتب والباحث السياسي الدكتور ميشال الشماعي إلى أن مسار التفاوض الدبلوماسي يخضع، وفق تقديره، لضغوط متبادلة، معتبرا أن إيران تستخدم أوراق ضغط إقليمية، من بينها ما يجري في الساحة اللبنانية عبر حزب الله، بما ينعكس على حسابات التفاوض مع الولايات المتحدة.
وتطرق، عبر منصة "بالعربي"، إلى التصعيد الميداني الذي شهدته الجبهة الجنوبية، ولا سيما إطلاق طائرات مسيرة من لبنان باتجاه الأراضي الإسرائيلية، وما رافقه من تهديدات إسرائيلية، على لسان وزير ماليتها بتسلئيل سموتريتش ورئيس أركان جيشها إيال زامير، بالرد عبر استهداف واسع يطال بيروت والضاحية الجنوبية وصور، في حال تعرضت لعمليات مماثلة، في مؤشر إلى ارتفاع منسوب التوتر في المنطقة.
وفي السياق ذاته، رأى أن الولايات المتحدة تسعى إلى تجنب الانزلاق نحو حرب واسعة، وتفضل، في المقابل، اعتماد مسار تفاوضي يهدف إلى إخضاع إيران اقتصاديا، مع استخدام الضغط الإقليمي كعامل مساعد في التفاوض، خصوصا عبر الساحة اللبنانية.
واعتبر أن هذا المسار قد يؤدي إلى تصعيد إضافي في لبنان، عبر منح إسرائيل هامشا أوسع للتحرك العسكري، بهدف زيادة الضغط على إيران ودفعها إلى القبول بالشروط الأميركية، في إطار مقاربة تفاوضية قائمة على التدرج في التصعيد.
وفي ما يتعلق بالموقف الدولي، أشار إلى وجود مخاوف فرنسية من أن يؤدي أي اتفاق محتمل إلى انعكاسات سلبية على لبنان، خصوصا في حال أدى إلى تثبيت الواقع الميداني الحالي على الحدود الجنوبية.
وعلى صعيد التوقعات المستقبلية، رأى الشماعي أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لن يقبل بأي اتفاق يكون في مصلحة إيران، بل يفضل، وفق تعبيره، اعتماد مقاربة "الضغط الأقصى" التي قد تصل إلى حدود الخيار العسكري، مع استخدام المسار التفاوضي كأداة للضغط، وليس كهدف بحد ذاته.
واعتبر أن النتيجة المرجحة، من وجهة نظره، هي اتجاه إيران إلى القبول بالشروط الأميركية تحت وطأة الضغوط الاقتصادية الكبيرة، في ظل خسائر مالية يومية وتداعيات على قطاع النفط، بالإضافة إلى التحديات الداخلية والإقليمية المتزايدة.
كما لفت إلى أن حزب الله في لبنان يواجه بدوره ضغوطا عسكرية إسرائيلية متصاعدة، قد تحد من قدرته على الاستمرار في الوضع القائم، في ظل التصعيد الإسرائيلي المستمر.
وتوقف عند الموقف الأميركي الأخير من تهديدات أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم بإسقاط الحكومة في الشارع، معتبرا أن الرد السريع من وزارة الخارجية الأميركية يعكس استعدادا أميركيا واضحا للتدخل ميدانيا في حال تهديد الاستقرار الداخلي أو مسار المنطقة.
ورأى أن الإشكالية الأساسية لا تقتصر على مستقبل إيران فقط، بل تتعلق بطبيعة النهج السياسي القائم فيها، معتبرا أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من التحولات، لن يكون ممكنا معها استمرار الوضع القائم، وفق تعبيره، مؤكدا أن صفحة إيران "طُويت"، وأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة خالية من أذرع طهران، وعلى رأسها حزب الله.
وعليه، تحاول إيران التفاوض عبر أوراقها الإقليمية، ولبنان يبقى إحدى هذه الأوراق من خلال حزب الله، فيما تستخدم واشنطن وإسرائيل الضغط العسكري والسياسي لفرض شروطهما. عمليا، يبدو لبنان مهددا بدفع ثمن هذا الاشتباك، سواء عبر استمرار التوتر جنوبا أو عبر إبقاء ملف سلاح حزب الله مفتوحا تحت الضغط الدولي والإسرائيلي. وقد تشهد المرحلة المقبلة مزيدا من الضغط والتصعيد، بما قد ينتهي بفرض تنازلات على طهران وانعكاسات مباشرة على نفوذها في المنطقة، وخصوصا في لبنان.