تشهد العلاقة بين الولايات المتحدة والصين مرحلة جديدة من التقارب السياسي والاقتصادي، إذ برزت، عقب زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سلسلة تصريحات متبادلة بين الرئيسين ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ حملت رسائل تهدئة ورغبة مشتركة في تعزيز الاستقرار بين أكبر اقتصادين في العالم.
هذا التقارب لا يقرأ بمعزل عن الصراع الدولي، خصوصا في ظل التقارب بين بكين وطهران ما يفتح الباب أمام عدد من التساؤلات، لا سيما حول مدى انعكاسه على ملفات المنطقة، وفي مقدمتها المفاوضات الأميركية - الإيرانية، وسط ترقب لما قد تحمله المرحلة المقبلة للبنان في ظل التحولات الدولية المتسارعة.
في هذا الإطار، رأى الكاتب السياسي ناجي أمهز أن ما يحصل اليوم بين الولايات المتحدة والصين لا يمكن وصفه بـ "التقارب" بالمعنى التقليدي، بل هو مواجهة استراتيجية تدار بأسلوب يقوم على التوازن الدقيق، أشبه بما يعرف بفلسفة "الين واليانغ"، معتبرا أن ما قد يبدو انتصارا للصين، هو في الواقع بداية مواجهة دولية طويلة وخطيرة تشبه إلى حد بعيد أجواء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي سابقا.
وشرح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن هذه "الحرب الجليدية" الجديدة بين واشنطن وبكين تفتح الباب أمام إعادة توزيع النفوذ العالمي، لا سيما بعد التحولات التي طرأت على إدارة الملف الإيراني في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مذكرا بمرحلة الحرب الباردة، حيث كان الشرق الأوسط منقسما بين محور شرقي تقوده موسكو عبر سوريا ومصر، ومحور غربي تدعمه الولايات المتحدة عبر لبنان ودول الخليج والعراق، ما فرض حينها نوعا من توازن القوى والحذر المتبادل.
وأشار أمهز إلى أن المشهد تغير بعد الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979، ثم انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية في العام 1988، وصولا إلى انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1989، لافتا إلى أنه مع حرب الخليج في العام 1991، وانفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام العالمي، بدأت واشنطن التحضير لمواجهة مستقبلية مع الصين، عبر بناء أنظمة حليفة في المناطق التي تشكل امتدادا لمشروع "طريق الحرير".
واعتبر أن الولايات المتحدة تعاملت مع تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة انطلاقا من اعتقادها بأن طهران لن تتحول إلى جزء من المشروع الصيني، بل ستبقى ضمن معادلة "لا شرقية ولا غربية" التي أطلقها الإمام الخميني، شارحا أنها غضت النظر عن تمدد إيران في العراق ولبنان وسوريا واليمن ضمن توازنات إقليمية محددة.
وقال أمهز: المشهد تبدل مع دخول روسيا عسكريا إلى سوريا في العام 2015، ثم إعلان الشراكة الاستراتيجية بين موسكو وبكين في العام 2016، إضافة إلى تنامي التعاون مع كوريا الشمالية لاحقا، ما دفع واشنطن إلى اعتماد سياسة تقوم على إضعاف إيران وحلفائها بهدف ضرب العمق الاستراتيجي للصين في المنطقة، مؤكدا أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تقاسم النفوذ مع الصين في الشرق الأوسط، بل إلى فرض معادلة تضمن المصالح الاقتصادية لبكين ضمن نفوذ أميركي كامل، خصوصا في ما يتعلق بالممرات التجارية والطاقة.
وفي ما يخص المفاوضات الأميركية - الإيرانية، اعتبر أن الملف الإيراني يشكل بندا أساسيا في أي حوار أميركي - صيني، إلا أن واشنطن لا تريد من بكين أن تؤدي دور الوسيط، بل تسعى إلى دفعها للضغط على طهران من أجل القبول بالشروط الأميركية، خصوصا في ما يتعلق بمضيق هرمز والملف النووي الإيراني، محذرا من أن فشل هذه التفاهمات قد يدفع المنطقة نحو مواجهة واسعة. واعتبر أن الصراع لم يعد مرتبطا بإيران وحدها، بل بات جزءا من معركة كسر الإرادات بين المحاور الدولية الكبرى في أهم منطقة للطاقة في العالم.
أما على الساحة اللبنانية، فرأى أمهز أن تأثير المشهد الدولي لا ينعكس مباشرة على لبنان، بل يمر عبر الإقليم، مشيرا إلى أن أي تسوية أميركية - إيرانية قد تنعكس تهدئة على الداخل اللبناني، فيما سيؤدي انهيار التوازنات أو توسع الصراع الإقليمي إلى تحويل لبنان مجددا إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية.
واعتبر أن لبنان يعيش اليوم مرحلة "إدارة أزمات" لا مرحلة استقرار فعلي، نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية تعود إلى ما بعد العام 1990، في ظل غياب الدولة واستمرار الانقسامات الداخلية، لافتا إلى أن المشهد الإقليمي يزداد تعقيدا مع تنامي دور الحركات الإسلامية في المنطقة، من سوريا إلى غزة، إضافة إلى دخول باكستان على خط التوازنات الجديدة، ما يفتح الباب أمام احتمالات أكثر خطورة في المرحلة المقبلة.
وطرح أمهز جملة تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة، من بينها ما إذا كانت روسيا تسعى إلى استنزاف الولايات المتحدة عبر مواجهة مع إيران، كما حصل في الحرب الأوكرانية، وما إذا كانت الصين ستبقى في موقع المراقب قبل التدخل لاحقا، أو أن المنطقة تتجه أساسا نحو معركة كبرى لإعادة رسم النفوذ الإقليمي والدولي.
ورأى أن أقصى ما يمكن تحقيقه في لبنان خلال السنوات المقبلة هو "استقرار نسبي"، خصوصا حتى نهاية ولاية ترامب، لكنه شدد على أن هذا الاستقرار يبقى مشروطا بالتوافق الداخلي واستعادة القرار السيادي والوحدة الوطنية، محذرا من أن استمرار الانقسام الداخلي وسط التصادم الدولي قد يضع لبنان أمام "كارثة وجودية" حقيقية.
وعليه، ومع استمرار التبدلات الدولية وتسارع التحركات السياسية بين واشنطن وبكين، تبقى الأنظار متجهة نحو ما سينتجه هذا التقارب، خصوصا في ما يتعلق بالمفاوضات الأميركية - الإيرانية وانعكاساتها على المنطقة. أما لبنان، الذي يقف في قلب التجاذبات الإقليمية، فيبقى بانتظار ما ستنتجه طاولة مفاوضات واشنطن.