لا تزال الملفات العالقة بين إيران والولايات المتحدة تتصدر المشهد، وفي مقدمها الملف النووي الذي يشكل محور التجاذب الأساسي بين الطرفين، وسط تمسك واشنطن بمنع طهران من مواصلة التخصيب المرتفع، مقابل إصرار إيران على حقها في برنامجها النووي.
وأخيرا، عاد هذا الملف إلى الواجهة بعد عرض جديد قدمه الرئيس الأميركي دونالد ترامب للإيرانيين، إلا أن الرد الإيراني لم يأت وفق ما كانت تنتظره واشنطن، ما دفع ترامب إلى إبداء موقف متشدد حيال هذا الرد. فهل تعود المفاوضات إلى مسارها، أم أننا أمام مرحلة جديدة من التصعيد؟
في هذا الإطار، أكد الصحافي والمحلل السياسي آلان سركيس أن الرد الإيراني على العرض الأميركي لم يأت مطابقا لتمنيات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مشيرا إلى أن الأخير أعلن صراحة أن هذا الرد لا يمكن اعتباره ردا فعليا، بل إنه يهدد فرص التهدئة ووقف إطلاق النار، ما يعكس حجم الهوة القائمة بين الجانبين.
ولفت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن المشهد الحالي لم يعد يندرج ضمن إطار التعطيل التقليدي في مسار المفاوضات، بل انتقل إلى مرحلة أكثر خطورة، عنوانها احتمال نشوب حرب جديدة، معتبرا أن الإدارة الأميركية تبدو ماضية في المعركة حتى النهاية، في حين أن الجانب الإيراني لا يزال يعتمد سياسة العناد ومحاولة شراء الوقت، من خلال التنقل بين إرسال أوراق تفاوضية من جهة، ورفع سقف الشروط من جهة أخرى، بالتوازي مع الرسائل الداخلية الصادرة عن القيادة الإيرانية، وآخرها دعوات المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إلى الجهوزية للمواجهة.
ورأى سركيس أن المنطقة دخلت فعليا مرحلة جديدة من التصعيد، لكن طبيعة هذا التصعيد لم تتضح بالكامل بعد، إذ قد يبقى ضمن إطار العقوبات الاقتصادية والضغوط المالية والتضييق على مضيق هرمز، وقد يتطور إلى مواجهة عسكرية جديدة، لافتا إلى أن احتمال تجدد الحرب ارتفع بشكل كبير، خصوصا في ظل ما وصفه بإصرار كل من ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على إنهاء النظام الإيراني، وإنهاء الأذرع الإيرانية في المنطقة، إضافة إلى إنهاء الملف النووي والباليستي الإيراني. وقال إن الأمور قد تتجه إلى مزيد من التأزم، إلا إذا طرأت مفاجأة سياسية أو دبلوماسية تعيد ضبط المسار وتمنع الانفجار الكبير.
وفي ما يتعلق بالاتفاق النووي، شدد على أن ترامب كان واضحا منذ البداية في موقفه من الاتفاق الذي وقع في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، إذ يعتبره اتفاقا سيئا لأنه، وفق رؤيته، مكن إيران من الاقتراب من امتلاك قنبلة نووية، ولولا تدخله لكانت طهران اليوم على مسافة قريبة جدا من تحقيق ذلك.
وانطلاقا من هذا الموقف، رأى سركيس أن إحياء الاتفاق النووي السابق بصيغته القديمة يبدو من سابع المستحيلات، مرجحا أن يكون البديل المطروح، إذا فشلت المسارات السياسية، هو الذهاب إلى عملية عسكرية أميركية خاطفة تستهدف المنشآت النووية الإيرانية، وتحاول السيطرة على مخزون اليورانيوم المخصب أو تعطيل قدرات إيران النووية بالكامل.
وأشار إلى أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة، خصوصا مع ترقب ما قد تحمله زيارة ترامب إلى الصين، وما إذا كانت ستفتح نافذة جديدة للتفاهمات الدولية أو ستؤدي إلى مزيد من التصعيد، مؤكدا أن ما يحصل اليوم لا يقتصر على التفاوض بشأن الاتفاق النووي فحسب، بل هو تفاوض أشمل يتعلق بالدور الإيراني في المنطقة. ورأى أن القرار الأميركي والإسرائيلي بات قائما على إنهاء هذا الدور، بعدما استخدمت إيران على مدى عقود لزرع الفوضى وتوسيع النفوذ في الشرق الأوسط، فيما ترى واشنطن وتل أبيب أن هذه المرحلة انتهت.
وأوضح سركيس أن التفاوض الحالي يشمل ملفات عدة، من بينها مستقبل الأذرع الإيرانية في المنطقة، ومن ضمنها حزب الله في لبنان، إضافة إلى الصواريخ الباليستية، ومضيق هرمز، وحرية التجارة والملاحة فيه، فضلا عن شكل النظام الإيراني نفسه، ومن سيحكم إيران في المرحلة المقبلة، معتبرا أن الملف بات يتجاوز بكثير مسألة تخصيب اليورانيوم أو الاتفاق النووي التقليدي.
واعتبر أن إيران لم تعد قادرة على خوض مواجهة كبرى دفاعا عن حلفائها، كما أنها عاجزة عن استخدام هذه الملفات كورقة ضغط فعالة كما في السابق. وقال إن الإدارة الأميركية عمدت إلى فصل الملف اللبناني عن النفوذ الإيراني المباشر، وإعادته إلى الدولة اللبنانية، فيما ينطبق الأمر نفسه بدرجات مختلفة على ملفات أخرى في المنطقة. ورأى أن أي تغيير جذري في إيران أو سقوط النظام الحالي ستكون له تداعيات واسعة على لبنان وغزة والبحر الأحمر وسائر ساحات النفوذ المرتبطة بطهران.
وأكد سركيس أن الاحتمال الأكبر في المرحلة المقبلة هو الذهاب إلى تجميد المفاوضات، بالتوازي مع تصعيد سياسي وأمني وربما عسكري، واستكمال سياسة الحصار الطويل التي تعتمدها واشنطن، والتي قال إنها تستنزف إيران اقتصاديا وسياسيا وتضغط على قدراتها الداخلية والخارجية. وأشار إلى أن المنطقة تقف أمام أيام وأسابيع مفصلية، داعيا إلى مراقبة ما يحصل في الملاعب الدولية، وانتظار نتائج زيارة ترامب إلى الصين، لأن هذه التطورات الكبرى سيكون لها تأثير مباشر على مستقبل المواجهة مع إيران ومسار المنطقة بأكملها.
ختاما، يبدو أن ما يحصل بين واشنطن وطهران يبقى مفتوحا على أكثر من مسار، بين إمكان إعادة تحريك المفاوضات من جديد، أو الذهاب نحو مزيد من التعقيد والتصعيد الذي قد ينعكس على المنطقة كلها في المرحلة المقبلة.