تتداول تقارير سياسية حديثة معلومات عن جهود تقودها تركيا لتعزيز التعاون مع عدد من الدول ذات الغالبية السنية في المنطقة، وفي مقدمها مصر والمملكة العربية السعودية وأفغانستان، فيما ذهبت بعض التحليلات إلى الإشارة إلى اتصالات تشمل أيضا سوريا، في إطار بحث فكرة تشكيل تكتل أو ما يشبه "ناتو سني" بهدف مواجهة النفوذ الإيراني وإعادة رسم توازنات القوى في المنطقة.
إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هو حول مدى واقعية هذا الطرح وإلى أي حد يمكن ترجمته فعليا على أرض الواقع، وما سيكون عليه موقف إسرائيل في حال تشكل مثل هذا التحالف، خصوصا في ظل ما أعلنته تركيا في الأيام الأخيرة من كشف منظومات صواريخ وأسلحة متطورة قامت بصنعها.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس تحرير جريدة اللواء الصحافي صلاح سلام أن الاتصالات القائمة بين العواصم الإقليمية، لا سيما تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان، تتركز في هذه المرحلة على خفض منسوب التوتر في المنطقة، والسعي إلى إيجاد حلول دبلوماسية وسياسية للتوتر القائم بين الولايات المتحدة وإيران، بما يهدف إلى تجنب انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة، مشيرا إلى أن الهدف الأساسي لهذه التحركات يتمثل في تعزيز الاستقرار الإقليمي، وإبعاد شبح التصعيد العسكري، في ظل الأزمات الاقتصادية والمالية التي تعاني منها دول المنطقة، وما لذلك من انعكاسات مباشرة على الأمن الإقليمي وحركة التجارة والطاقة العالمية، لا سيما عبر مضيق هرمز.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن ما يحصل حاليا يتمحور حول البحث عن مخارج سياسية وأمنية تقلل من الخسائر على دول المنطقة، وتساهم في الحفاظ على الاستقرار والسلم الدولي، لافتا إلى أن المرحلة الراهنة هي مرحلة ترقب لما ستؤول إليه الجهود الباكستانية في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، خصوصا في ما يتعلق بالملف النووي والصواريخ الباليستية ودور إيران في بعض الساحات العربية.
وفي ما يخص الطروحات المتداولة حول إمكان إنشاء تحالف عسكري إقليمي على غرار "ناتو سني"، أوضح سلام أن هذا الطرح لا يزال في إطار النقاشات الإعلامية والتحليلات السياسية، ولم يصل إلى مستوى المشروع المطروح رسميا على طاولة المفاوضات بين الدول المعنية، لا سيما المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، مع احتمال أن يكون فكرة مستقبلية قيد التداول في بعض الدوائر، من دون أي ترجمة عملية حاليا، مشيرا إلى أن الرؤية السعودية ضمن "رؤية 2030" التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تقوم على تصور أوسع يتمثل في إنشاء سوق عربية مشتركة مستقرة وآمنة، على غرار التجربة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، بحيث تشمل دول الخليج والدول العربية الأساسية، مع إمكان انفتاحها على تركيا وإيران ضمن إطار تعاون اقتصادي إقليمي طويل الأمد، غير أن هذا التصور لا يزال في إطار النقاشات العامة والتشاور السياسي بين الأطراف المعنية.
في ضوء ما تقدم، تبدو المنطقة أمام مرحلة إعادة تموضع سياسي ودبلوماسي، تقوم على خفض التوتر وبحث الاستقرار، أكثر مما تقوم على بلورة تحالفات عسكرية جديدة في المدى القريب. كما أن المنطقة تقف اليوم عند مفترق طرق يحدد مستقبلها، لا سيما في ظل ما يحصل بين الولايات المتحدة وإيران، ما يجعل دولها أمام ضرورة عدم انتظار ما يرسم خارجها، بل أخذ زمام المبادرة بما يضمن سيادتها واستقرارها.