March 26, 2026   Beirut  °C
سياسة

عبد الوهاب بدرخان: الاتصالات الأميركية – الإيرانية لم تنقطع.. والوساطة بطّأت مفعول الإنذار

بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تغريدة على منصته "تروث سوشال" إفساح المجال أمام ايران لمدة 5 أيام للدخول في مفاوضات، تحت طائلة استهداف محطات الطاقة فيها، وما تضمنه تصريحه من حديث عن اتصالات ومحادثات مع طهران، سارعت الأخيرة إلى نفي ما ورد على لسانه، مؤكدة عدم وجود أي اتصالات بينها وبين واشنطن.

ويأتي هذا التطور في توقيت حساس، قبل ساعات من انتهاء مهلة الـ 48 ساعة التي كان قد حددها الرئيس الأميركي سابقًا لتنفيذ تهديده، ما يطرح جملة من التساؤلات حول مدى صحة المعطيات التي تحدث عنها ترامب في ما يتعلق بمسار المفاوضات والاتصالات المزعومة، وما إذا كانت هذه التصريحات تعكس وقائع قائمة أم تندرج في سياق الضغوط السياسية والرسائل المتبادلة بين الطرفين.

في قراءة لهذه التطورات، أكد الصحافي عبد الوهاب بدرخان أن المعطيات التي سبقت توجيه الإنذار الأميركي الذي حدد مهلة 48 ساعة كانت تشير بوضوح إلى أن مسار الاتصالات لم يكن متوقفا، بل كان يحصل عبر قنوات غير مباشرة، من دون أن يبلغ مستوى التفاوض العلني أو المباشر، لافتا إلى أن التسريبات التي ظهرت في تلك المرحلة تحدثت عن وصول أفكار ومقترحات إلى واشنطن، حيث دُرست وردوا عليها، في وقت اضطلعت فيه دول عدة بأدوار وساطة بدرجات متفاوتة.


وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أنّ ما كان يميز تلك المرحلة هو أن واشنطن لم تكن بصدد مسار تفاوضي مكتمل، بل طرحت مجموعة من الأفكار التي يمكن أن تشكل أرضية لاتفاق جديد أو مدخلا لإعادة إطلاق مفاوضات مختلفة، مشيرا إلى أنّ الرد الإيراني على هذه الطروحات لم يكن منسجما مع ما كانت تسعى إليه الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب، الأمر الذي أبقى الهوة قائمة بين الطرفين، وأبقى، في الوقت نفسه، باب الاتصالات مفتوحا من دون تحقيق اختراق حاسم.


وأشار بدرخان إلى أن تصريحات ترامب حملت في طياتها تناقضا واضحا، إذ جمع بين الإعراب عن رغبته في الحوار والتفاوض، وبين رفضه القبول بوقف مسبق لإطلاق النار، وهو شرط تعتبره إيران أساسيا قبل الدخول في أي مسار تفاوضي، معتبرا أنّ هذا التباين في المواقف انعكس مباشرة على طبيعة المهلة التي لوّح بها، والتي ارتبطت بملفات حساسة من بينها مسألة فتح مضيق هرمز، في محاولة لفرض إيقاع تفاوضي جديد.


ولفت إلى أنه في خلال الساعات التي تلت الإعلان عن الإنذار، برزت مؤشرات على تحرك أطراف وساطة، في مقدمتها سلطنة عمان التي عادت إلى الواجهة بعد فترة من الهدوء النسبي في دورها، مرجّحا أن يكون الجانب الإيراني قد طلب من مسقط التدخل مجددا، مقدما أفكارا جديدة يمكن البناء عليها، وهو ما انعكس في إشارات أميركية لاحقة تحدثت عن وجود إمكانات جديدة يمكن أن تساهم في تخفيف حدة التوتر أو إعادة تنظيم مسار الاتصالات.


وبناء على ذلك، أوضح بدرخان أن قرار ترامب تأجيل تنفيذ الإنذار لفترة إضافية قد تصل إلى 5 أيام يعكس وجود تفاعل فعلي مع تلك الأفكار، ويؤشر إلى أن الاتصالات لم تنقطع، بل كانت تتحرك بشكل متقطع، تتسارع في بعض المراحل وتتراجع في مراحل أخرى، معتبرا أنّ هذا التأجيل لا يمكن فصله عن ورود مقترحات إيرانية جديدة تستدعي الدراسة والرد، من دون أن يكون واضحا حتى الآن الاتجاه النهائي الذي قد تسلكه هذه الاتصالات.


في المقابل، أشار إلى أن إيران سارعت إلى نفي وجود أي اتصالات مباشرة أو غير مباشرة بالشكل الذي يُتداول به، مؤكدة أن المهلة الأميركية تندرج في إطار الضغوط السياسية والعسكرية. وشددت على تمسكها بموقفها الثابت القاضي برفض الدخول في أي مفاوضات قبل وقف الهجمات، وهو موقف لم يتغير، ولم تصدر عنه إشارات تفيد بوجود وساطات أو طروحات محددة قيد النقاش، خلافا لما تروج له بعض التسريبات الإعلامية.


وعلى رغم ذلك، أوضح بدرخان أن معطيات غير رسمية تشير إلى استمرار قنوات تواصل عبر أطراف عدّة، من بينها مصر التي يقال إن وزير خارجيتها على اتصال مع نظيره الإيراني، إضافة إلى قطر التي تواصل أداء دورها كوسيط محتمل، إلى جانب بقاء سلطنة عمان طرفا حاضرا في المشهد، وإن بوتيرة متباينة، متبرا أنّ عودة التحرك العماني قد تعني وجود رغبة مشتركة لدى الأطراف في استكشاف إمكانات التوصل إلى تفاهم ما، حتى وإن لم تتضح معالمه بعد.


أما في ما يتعلق بطبيعة التسوية المحتملة، فرأى أنّها قد تتمحور حول تفاهمات جزئية تتيح لإيران تسهيل مرور السفن عبر مضيق هرمز، مقابل عدم ذهاب الولايات المتحدة إلى خيارات تصعيدية كبيرة، مشيرا إلى أنّ ترامب كان قد طرح، في وقت سابق، فكرة إشراك دول أوروبية وحلف شمال الأطلسي في حماية الملاحة التجارية، في إطار البحث عن صيغة وسط، غير أن إيران لم تكن مستعدة حينها لقبول أي حضور عسكري أجنبي في المنطقة.


واعتبر بدرخان أن قرار التأجيل الأميركي لا يعود بالدرجة الأولى إلى التهديدات الإيرانية باستهداف منشآت الطاقة في المنطقة، بل إلى إدراك حجم التداعيات الاقتصادية المحتملة لأي تصعيد واسع، وما قد يترتب عليه من أزمة عالمية تتحمل واشنطن جزءا كبيرا من مسؤوليتها. لذلك، فبدا الإنذار أقرب إلى اختبار رد الفعل الإيراني وقياس مستوى استعدادها لتقديم تنازلات، أكثر مما كان مقدمة لعمل عسكري فوري.


وأشار إلى أنّ الأسواق العالمية تفاعلت سريعا مع هذه التطورات، حيث شهدت أسعار النفط تراجعا ملحوظا عقب التصريحات الأمريكية، ما يعكس حساسية الاقتصاد العالمي تجاه التوترات في هذه المنطقة الحيوية.


وفي الشأن اللبناني، أكد بدرخان أن مقاربة كل من إسرائيل والولايات المتحدة للملف الإقليمي تقوم على فصل نسبي بين الساحات من جهة، وربطها من جهة أخرى وفق اعتبارات أمنية وسياسية متداخلة، الفتا إلى أنّ الجبهة اللبنانية لا تنظر إليها باعتبارها امتدادا مباشرا ومشروطا فقط بمسار المواجهة مع إيران، بل باعتبارها ساحة قائمة بذاتها، مع الإبقاء، في الوقت نفسه، على ربطها بالمعادلة الأوسع.


وقال: منطق التعاطي مع لبنان يقوم على فرضية مفادها بأنّ إنهاء المواجهة مع إيران أو حتى الوصول إلى تسوية معها لا يعني بالضرورة انتهاء التوتر في لبنان، إذ يُنظر إلى حزب الله كخطر قائم بذاته، بصرف النظر عن تطورات العلاقة مع طهران، معتبرا أنّ هذا التصور يجعل من لبنان ساحة مستمرة في الحسابات الأمنية، حتى في حال تغيرت قواعد الاشتباك على مستوى الملف الإيراني.