March 05, 2026   Beirut  °C
سياسة

مجلس سلام بآفاق تتخطى غزة؟

في ظل تصاعد المبادرات السياسية غير التقليدية التي يطرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، برز إعلان تشكيل ما سمي بمجلس السلام انطلاقًا من غزة، ما فتح باب التساؤلات حول الأهداف الحقيقية لهذه الخطوة، وما إِذا كانت محصورة بالقطاع أَم تتجاوزها لمعالجة أَزَمَات أخرى في الإقليم والعالم. كما يطرح كلام ترامب عن معالجة مشكلات خارج غزة علامات استفهام حول طبيعة الملفات التي يعتزم مقاربتها والأدوات التي ينوي استخدامها.

وفي السياق نفسه، يثير حديثه عن أَنَّهُ سيفعل شيئًا تجاه لبنان ووصفه حزب الله بأنه بات مجرد بقايا صغيرة مقارنة بما كان عليه، تساؤلات إضافية حول المقصود بهذه المواقف، حدود التحرك الاميركي المقبل وما إذا كان لبنان مقبلًا على مرحلة جديدة من الضغوط أو التحولات في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة.

في قراءة تحليلية لمواقف ترامب، رَأَت رَئِيسَة مؤسسة بيروت الإِعلامية راغدة درغام أَنَّ إِعلان الرئيس الأميركي عن إنشاء ما سماه مجلس السلام لا يقتصر على معالجة ملف غزة حصرًا ولا يهدف إلى أَن يَكُون بَدِيلًا عَنِ الأُمَم المتحدة، بل يعكس طموحًا أَميركِيًّا لتوسيع إِطار معالجة النزاعات الدولية انطِلَاقًا من الشرق الأوسط وصولًا إلى العالم ككل.

 

وأَوضَحَت عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّ فكرة مجلس السلام كانت منذ البداية أوسع من غزة، مُشيرةً إلى أَنَّ ترامب قدم نفسه رئيسًا لهذا المجلس، الأمر الذي فسره البعض على أَنَّهُ محاولة لتنصيب نفسه حكمًا عالميًا أَو بَدِيلًا عن مجلس الأَمن الدولي. لكنها شددت على أَنَّ ترامب نفسه قال إِنَّ دَور الأُمم المتحدة يبقى قَائِمًا، على الرَّغمِ مِن أَنَّ سجل علاقته بالمؤسسات الدولية لا يوحي باحترام كبير لها.

 

ولَفَتت درغام إلى أَنَّ هذا الطرح يثير تساؤلات جوهرية حول مدى قبول القوى الكبرى الأُخرى، وفي طليعتها روسيا والصين، بالخضوع لِإِدارة مجلس يرأسه الرئيس الأميركي. وقالت إِنَّ تصور قبول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أَو الرئيس الصيني شي جين بينغ بالجلوس تحت مظلة يرأسها ترامب يبدو غير واقعي، خصوصًا في ظل التنافس الدولي القائم.

 

وكَشَفَت أَنَّها تابعت هذا الملف مع مصادر روسية شرحت لها أَنَّ موسكو لا ترى مصلحة لها في المشاركة في مجلس يخضع لسيادة وإِدارة أَميركية مباشرة، وهو ما يفسر البرود الروسي تجاه هذه المبادرة. وقالَت إِنَّ المسألة لا تتعلق بالرفض المبدئي لفكرة السلام، بل بالخشية من اختلال التوازن الدولي وتكريس هيمنة طرف واحد.

 

وتطرقت درغام إلى الانسحاب الكندي من المشهد، موضحة أَنَّ الدعوة التي كانت موجهة إلى رئيس الوزراء الكندي للمشاركة في مجلس السلام سحبت بعد توتر سياسي واضح بين واشنطن وأوتاوا.

 

وأَشَارت إلى أَنَّ ترامب اعتبر مواقف رئيس الوزراء الكندي تجاوزًا بحق الولايات المتحدة، في حين تُصِرُّ كندا على خطاب السيادة والندية، ما أَدَّى إِلى مشادة سياسية انعكست مباشرَةً على هذا الملف.

 

وأَكَّدَت درغام أَنَّ الموقف الأوروبي لا يختلف كَثِيرًا، إِذ إِنَّ معظم الحلفاء الأوروبيين لا يبدون حماسة للانضمام إلى مجلس سلام يرأسه ترامب، في ظل الخلافات العميقة مع إدارته حول طبيعة التحالفات وإدارة الملفات الكبرى، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا ومستقبل حلف شمال الأطلسي.

 

واعتَبَرَت أَنَّ الأَزمة الحالية تَمَسُّ جوهر هوية الناتو وتكشف عن اهتزاز غير مسبوق في الثقة بين الولايات المتحدة وعدد من شركائها.

 

واستثنت درغام المجر من هذا التوجه الأوروبي العام، مُشِيرَةً إلى أَنَّ بودابست تبدي استعدادًا للمشاركة، في حين أَنَّ دُوَلًا أُخرى اختارت الانضمام لِأَنَّها رأت مصلحة مباشرة في التواجد على طاولة صنع القرار، خصوصًا وأَنَّ المجلس ينطلق من ملف غزة ويمتد إلى قضايا الشرق الأوسط.

 

وفي هذا السياق، شددت على أهمية المشاركة العربية في مجلس السلام، معتبرةً أَنَّ عَدَدًا مِنَ الدول العربية أَحسن تقدير الموقف وقرر الحضور لتفادي ترك فراغ قد تستغله أَطراف أُخرى، وللتأثير في مسار القرارات المتعلقة بالمنطقة.

 

وتوقفت عند الحشود العسكرية الأَميركية في المنطقة، مِنَ الأُردن إلى قطر والكويت، مُعتَبَِرَةً أَنَّهَا ليست استعراضية، بل تعكس استعدادات جدية، وضمنها تحديد عشرات الأهداف دَاخِلَ إِيران.

 

وكَشَفَت درغام أَنَّ الاستراتيجية الأَميركية لا تقتصر على الضربات العسكرية التقليدية، بل تشمل هجمات سيبرانية تهدف إلى شل البنية التحتية للنظام الإيراني.

 

وبرأيها، فِإِنَّ إِيران تتصدر أولويات إدارة ترامب ولا يبدو أَنَّ هناك أُفقًا حَقِيقِيًّا للتفاهم معها، نظرًا لغياب الاستعداد الإِيراني لتقديم تنازلات تمس جوهر عقيدتها النووية والصاروخية وسياساتها الإقليمية. واعتبرت أَنَّ أَيّ تفاهم حقيقي يتطلب إِعَادَة تعريف للنظام، وهو أَمرٌ بالغ الصعوبة.

 

وحذرت درغام من أَنَّ البديل عن التسويات قد يكون تَصعِيدًا يؤدي إلى اهتزاز داخلي في إِيران، مع احتمالات انفجار اجتماعي واقتصادي، وتساؤلات حول موقف المؤسسة العسكرية التقليدية في حال تفكك النظام.

 

وعن انعكاس كل ذلك على لبنان، قالت إِنَّها لا تتوقع تَدَخُّلًا عَسكَرِيًّا أَمِيرِكِيًّا مُبَاشَرًا، لكنها لم تستبعد أَن تمنح واشنطن إِسرائيل ضَوءًا أَخضر في حال نفاد صبرها، مُوضِحَةً أَنَّ الهدف لن يكون إِسقاط الدولة اللبنانية، بل الضغط لتمكينها من تنفيذ التزاماتها، في ظل استمرار حزب الله برفض تسليم السلاح أَو الالتزام الكامل بسيادة الدولة.

 

وأَكَّدَت درغام أَنَّ لبنان يقف في قلب العاصفة الإِقليمية وأَنَّ مصيره يبقى مُرتَبِطًا بتطورَاتِ القَرَارِ الإِيراني، مُحَذِّرَةً من مرحلة شديدة الحساسية تتطلب وَعيًا وَطَنِيًّا وحِكمَةً سِيَاسِيَّة لتجنيب البلاد أَثمَانًا بَاهِظَة.

مجلس سلام بآفاق تتخطى غزة؟
مجلس سلام بآفاق تتخطى غزة؟ - 1