January 17, 2026   Beirut  °C
سياسة

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران؟

أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلط الأوراق في الملف الإيراني، عبر سلسلة تصريحات بدت متناقضة في ظاهرها، لكنها تحمل دلالات سياسية عميقة.

فبعد قوله إنه "تم إبلاغي أن عمليات القتل في إيران توقفت"، كان قد سبقه تصريح لافت خاطب فيه المعتصمين داخل إيران بالقول إن "المساعدة في الطريق"، من دون أن يحدد طبيعة هذه المساعدة أو سقفها أو أدواتها.

عبارتان قصيرتان، لكنهما كفيلتان بفتح باب واسع من التساؤلات حول ما إذا كان ترامب قد تراجع عن خيار الضربة العسكرية، أم أنه انتقل إلى استراتيجية أكثر تعقيدًا تقوم على الضغط المتدرّج بدل الحرب المباشرة.

في موازاة ذلك، تفيد معطيات نقلتها صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين أميركيين بأن الولايات المتحدة لا تزال تدرس سلّة واسعة من الخيارات تجاه إيران، من دون أن تحسم اندفاعها نحو مواجهة عسكرية شاملة. وتشمل هذه الخيارات، وفق المصادر نفسها، عمليات سيبرانية معقّدة، واستهداف بنى أمنية حساسة وفي طليعتها جهاز الأمن الداخلي الإيراني، إضافة إلى إمكان تنفيذ عمليات نوعية ذات طابع أمني دقيق.


كما كان البنتاغون قد وضع أمام الرئيس الأميركي جملة سيناريوهات، من بينها توجيه ضربات لمواقع مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني ومنشآت يُشتبه بعلاقتها بقدرات الصواريخ الباليستية.


ورغم هذا العرض الواسع للخيارات، يميل معظم المراقبين إلى استبعاد إقدام واشنطن، في المرحلة الراهنة، على ضربة عسكرية شاملة من شأنها إسقاط النظام الإيراني، وإن كانت الإدارة الأميركية تحرص على إبقاء هذا الاحتمال قائمًا نظريًا، كجزء من إدارة الضغط السياسي والنفسي على طهران. ويُقرأ هذا التريّث في سياق أوسع يتجاوز الحسابات العسكرية البحتة، ليطال مخاوف من تداعيات إقليمية غير قابلة للاحتواء في حال انهيار مفاجئ للنظام.


بالتوازي مع الخطاب السياسي، ظهرت مؤشرات ميدانية رفعت منسوب التوتر، أبرزها تحركات عسكرية أميركية وارتفاع وتيرة التحذيرات الدولية لرعايا دول عدة بمغادرة إيران، إلى جانب تقارير إعلامية إسرائيلية عن إجراءات احترازية داخلية. غير أن هذه الإشارات بدت أقرب إلى رسائل ضغط مدروسة منها إلى مؤشرات حرب وشيكة، ما يعزّز فرضية "اللعب على حافة الحرب" كأداة تفاوضية.


وفي هذا الإطار، يقدّر مراقبون أن ترامب يعتمد سياسة تقوم على رفع سقف التهديد من دون الذهاب إلى المواجهة المفتوحة، بهدف دفع طهران إلى التفاوض من موقع ضعف. وقد عزّز هذا التقدير تصريح لافت لترامب أشار فيه إلى أن "إيران اتصلت" وأنها "تريد التفاوض"، في إشارة فهمت على أنها نتيجة مباشرة لتراكم الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية. كما لم يكن عابرًا حديثه عن التواصل مع معارضين إيرانيين وإشارته إلى "إشارات إيجابية" وردته منهم، بما يوحي بأن واشنطن تمزج بين الضغط الخارجي ومراقبة التحولات الداخلية.


من هنا، تبدو الاستراتيجية الأميركية أقرب إلى خنق تدريجي للنظام الإيراني بدل توجيه ضربة واحدة حاسمة. ويتجلى هذا النهج في مسار العقوبات المتصاعد، الذي استهدف مسؤولين أمنيين وشبكات مالية على خلفية قمع الاحتجاجات، في رسالة مزدوجة تجمع بين دعم الحراك الداخلي وتشديد الخناق على مفاصل القرار.


وعليه، لا يمكن القول إن خيار الحرب قد سقط من الحسابات الأميركية، بقدر ما جرى تجميده مرحليًا لصالح مقاربة أكثر برودة ودهاءً، تقوم على تهديد محسوب، وضغط اقتصادي خانق، وإبقاء باب التفاوض مفتوحًا من موقع القوة، في محاولة لدفع إيران إلى أحد خيارين أحلاهما مرّ: التفاوض بشروط قاسية، أو الغرق في عزلة وضغوط قد تكون أشد فتكًا من الحرب نفسها.