تتدحرج الاحتجاجات في إيران بوتيرة متسارعة أشبه بـ"كرة ثلج" آخذة في التوسع والاتساع، بعدما خرجت من نطاقها المحلي لتشمل معظم المحافظات والمناطق الإيرانية، مع حضور لافت في العاصمة طهران التي تشهد تحركات متكررة ومتزامنة.
ومع تصاعد حدة الاعتراضات، تنوع شعاراتها واتساع رقعتها الجغرافية، تتجه الأنظار إلى مستقبل هذه التطورات وما إذا كانت تشكل مقدمة لتحول سياسي كبير أو أنها ستنتهي كسابقاتها تحت وطأة القبضة الأمنية.
وفي موازاة ذلك، تبرز تساؤلات ملحة حول موقف المجتمع الدولي، لا سيما الولايات المتحدة، التي لا تزال تكتفي بإصدار بيانات دعم سياسية وإعلامية للمتظاهرين من دون اتخاذ خطوات عملية من شأنها ردع النظام أو منعه من مواصلة استخدام العنف والقمع بحق مواطنيه.
وفي ظل هذا المشهد المتداخل، يبقى السؤال الأبرز مطروحًا: إلى أين تتجه الأمور في إيران وهل اقترب موعد سقوط النظام أم أن ميزان القوة لا يزال يميل إليه؟
في هذا الإطار، رأى المنسق العام "للقاء اللبنانيين الشيعة" محمد الأمين أن الاحتجاجات والتظاهرات في إيران لا تعد حدثًا جديدًا أو طارئا، بل هي تعبير متجدد عن فجوة عميقة بين طموحات الشعب الإيراني ونهج النظام القائم على ولاية الفقيه، مشيرًا إلى أن هذه الاعتراضات سبقتها انتفاضات عدة جوبهت بالقمع، لا سيما الانتفاضة التي اندلعت بذريعة فرض الحجاب وترسيخ ما يسمى بقواعد دينية.
واعتبر عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أن هذا المسار القمعي يطرح إشكالية أساسية، خصوصًا داخل البيئة الشيعية، حول كيفية الدفاع عن الشريعة عبر مزيد من القتل والعنف، لافتًا إلى أن الأسلوب المعتمد للحفاظ على نظام الحكم يتناقض مع مبادئ العدالة التي يقوم عليها الإسلام.
وأوضح الأمين أن ما تشهده إيران حاليًا من قمع وإن كان أقل حدة من مراحل سابقة، إلا أن خطورته تكمن في توقيته، إذ يأتي بعد حصار اقتصادي شديد مكن الأجهزة الأمنية، الحرس الثوري وقوات "الباسيج" من السيطرة على مفاصل المجتمع وإحكام الخناق على المواطنين.
وأشار إلى أن هذا الواقع أدى إلى تفجر تحرك شعبي واسع يعترض على السياسات الداخلية والخارجية للنظام، ويتجلى ذلك في الشعارات المرفوعة، لا سيما تلك التي تنتقد إنفاق الموارد على الأذرع الإقليمية بدل دعم الشعب الإيراني الذي يعاني انهيارًا اقتصاديًا حادًا.
ولفت الأمين إلى أن شعارات من قبيل "الموت للديكتاتور" ليست جديدة، لكنها كانت تقمع في السابق ويمنع تداولها، في حين أن توسع الإعلام ووسائل التواصل اليوم حَدَّ من قدرة السلطة على حجب الحقيقة أو احتكار المشهد الإعلامي.
وفي السياق نفسه، شدد على أن لجوء النظام إلى القمع المفرط لا يمكن تبريره دينيًا أو أخلاقيًا، معتبرًا أن الأنظمة التي تعتمد الاعتقال والقتل للبقاء في الحكم تفقد أي شرعية معنوية. وأكد أن الدعوات الأخيرة لإصدار أحكام إعدام بحق متظاهرين تعكس نية النظام استخدام أقصى درجات العنف للحفاظ على بقائه، مذكرًا بأن الإعدامات الميدانية والقتل خارج إطار القانون ليست ظاهرة مستجدة في إيران، بل ممارسة معروفة في خلال الاحتجاجات وخارجها.
وعلى صعيد المآلات، رأى الأمين أن النظام الإيراني يمتلك في المدى القريب قدرة كبيرة على احتواء هذه الانتفاضة بفعل أجهزته الأمنية، إضافة إلى غياب دعم دولي فعال للمتظاهرين، حيث يكتفي المجتمع الدولي بالمراقبة من دون خطوات حاسمة، ما يتيح للنظام المناورة سياسيًا والتفاوض خارجيًا بالتوازي مع القمع الداخلي، كما فعل في محطات سابقة.
وفي هذا الإطار، استحضر موقف المرشد الإيراني علي خامنئي من انتفاضة تشرين 2019 في لبنان، معتبرًا أنه شكل مثالًا واضحًا على النهج نفسه، إذ عمد خامنئي حينها إلى تخوين تلك الثورة واتهامها بالارتباط بالولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما اعتُبِرَ بمثابة غطاء سياسي وأخلاقي لقمع اللبنانيين الذين طالبوا بالإصلاح والعدالة.
واعتبر الأمين أن هذا الموقف يعكس استعداد النظام الإيراني لتخوين أي حراك شعبي يعارض سياساته، سواء داخل إيران أو خارجها.
وأكَّدَ أن ما يحصل في إيران هو انتفاضة شعبية حقيقية نابعة من أجيال تطمح إلى الحرية والعيش الكريم، إلا أن المؤشرات الحالية لا تدل على سقوط وشيك للنظام، الذي أثبت تاريخيًا قدرته على الالتفاف على الأزمات من خلال التفاوض والاستمرار عبر مزيج من القمع والمساومة السياسية.

