January 14, 2026   Beirut  °C
سياسة

إيران بين نارين: غليان الشّارع والضغوط الأميركيّة

في ظلّ تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، تعود إيران إلى واجهة المشهد السياسي عبر تحركات شعبية متجدّدة في الشارع، تعكس حجم الاحتقان الداخلي وتراكم الأزمات الاقتصادية، الاجتماعية والسياسية. وعلى الرَّغمِ مِن أنّ هذه الاحتجاجات ليست الأولى من نوعها، إلّا أنّ توقيتها يمنحها دلالات مختلفة، إذ تتقاطع مع متغيّرات كبرى تشهدها المنطقة، من سقوط أنظمة، إلى صراعات مفتوحة وضغوط أميركية - إسرائيلية متصاعدة على طهران.

ويأتي ذلك في وقتٍ تتجلى فيه الرسائل الأميركية بوضوح، كما حصل أَخيرًا في فنزويلا، مع اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته في عملية نوعية، ما يعكس مدى جدّية الإدارة الأميركية في التعامل مع الأنظمة التي تعتبرها غير مطابقة لمصالحها، وهو ما يطرح بشكل ضمني التساؤل الكبير حول مصير النظام الإيراني وما الذي ينتظره في المستقبل القريب.

إزاء هذا التطور رأى الصحافي وجدي العريضي أن التحركات في الشارع الإيراني ليست الأولى من نوعها، إذ شهدت إيران في مراحل سابقة احتجاجات متعددة ومتفاوتة، إلا أَنَّ خُصوصِيَّة المشهد الحالي تكمن في تزامنه مع تحولات كبرى، أبرزها سقوط النظام السوري وما رافقه من تطورات في فنزويلا، إلى جانب الحرب التي شُنّت على إيران من قبل إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، فضلًا عن التهديدات الأميركية والإسرائيلية المتواصلة للنظام الإيراني.

 

وأشار عبر مِنصّة "بالعربي" إلى أنّ الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة تشكّل عاملًا ضاغطًا أساسيًا، إذ تتفاعل هذه العناصر للمرة الأولى بهذا الحجم، ما يجعل من التحركات الراهنة بداية مرحلة جديدة من الضغط الشعبي على النظام، لا مجرد استمرار للنمط الاحتجاجي التقليدي، مؤكدًا أنّ الأمور مرشحة لمزيد من التصعيد، لا سيما وأن تجارب عِدَّة أظهرت أنّ أنظمة سياسية سقطت تحت ضغط الشارع عبر التظاهرات والاحتجاجات.

 

وفي هذا السياق، لفت العريضي إلى أن مسار هذه التحركات يبقى مفتوحًا على أكثر من احتمال، سواء لجهة الدفع نحو إسقاط النظام عبر احتجاجات ذات خلفية اقتصادية واجتماعية، أو من خلال مواجهة عسكرية مباشرة، معتبرًا أن ملامح هذه السيناريوهات ستتضح في خلال الأشهر القليلة المقبلة، وربما في فترة أقصر.

 

وعلى صعيد التداعيات الداخلية، اعتبر أنّ الاحتجاجات الأخيرة أربكت النظام الإيراني بوضوح، وهو ما انعكس في تبدّل اللهجة السياسية من المرشد الأعلى إلى رئيس الجمهورية. ورأى أن هذه التحركات ستترك آثارًا مباشرة على السياسات الداخلية، إذ لا يمكن للنظام الاستمرار في اعتماد القمع كخيار وحيد، بل قد يجد نفسه مضطرًا إلى فتح قنوات للحوار أو اتخاذ إجراءات اجتماعية واقتصادية، في محاولة لاحتواء الشارع.

 

وقَالَ العريضي إِنَّ السياسات الداخلية الإيرانية لن تكون قادرة على قمع هذه التحركات بسهولة، سواء جاءت نتيجة تدخلات خارجية أميركية وإسرائيلية، أو بفعل حراك شعبي تلقائي واسع، معتبرًا أن النظام سيحاول المناورة بين خيارات محدودة، تتراوح بين الحوار، الاحتواء والقمع، من دون امتلاكه بدائل فعلية أخرى.

 

أما إقليميًا، فَشدّد على أنّ إيران تبقى دولة إقليمية وازنة ذات حضور وتأثير، بغض النظر عن سياساتها وأدوارها في النزاعات التي شهدتها المنطقة، من اليمن إلى سوريا، العراق ولبنان، عبر شبكة حلفائها الذين تدعمهم بالسلاح والمال. ومن هذا المنطلق، رأى أنّ أي اهتزاز داخلي في إيران سينعكس حتمًا على المشهد الإقليمي برمته.

 

وطرح العريضي تساؤلات حول الدور الروسي المحتمل، في ظل التحالف القائم بين موسكو وطهران، وما إذا كانت روسيا ستتدخل لحماية النظام الإيراني، أو إذا كان هناك توافق أو تبادل أدوار غير معلن بين الولايات المتحدة وروسيا، من أوكرانيا إلى طهران. ويؤكد أن هذه المعطيات ستتضح في وقت غير بعيد، مشيرًا إلى أن التصعيد الأميركي – الإسرائيلي تجاه إيران ستكون له تداعيات واسعة على المنطقة، من تركيا إلى العراق، سوريا ولبنان.

 

أما في ما يتصل بسيناريوهات سقوط النظام الإيراني، اعتبر أن كُلّ الاحتمالات تبقى قائمة، في ظل سوابق شهدتها دول أخرى، حيث أُسقِطَت أنظمة بعمليات نوعية، أو تدخلات خارجية أو عبر تعاظم الاحتجاجات الداخلية، مشيرًا إلى أن عنصر المفاجأة يبقى حاضرًا بقوة، لا سيما في ظل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

 

وختم العريضي: سقوط النظام الإيراني، أو حتى تعرّضه لاهتزاز عميق، ستكون له تداعيات كبيرة على أذرع إيران في المنطقة، وعلى رأسها حزب الله، الذي يرتبط بإيران سياسيًا، عسكريًا، ماليًا وعقائديًا، فضلًا عن تأثيرات محتملة، بدرجات متفاوتة، على الحشد الشعبي في العراق، حركة حماس وجماعة الحوثيين، في وقت تبدو فيه الأسابيع القليلة المقبلة مفصلية في تحديد مسار التطورات، على أن يُبنى على الشيء مقتضاه.

إيران بين نارين: غليان الشّارع والضغوط الأميركيّة
إيران بين نارين: غليان الشّارع والضغوط الأميركيّة - 1