January 14, 2026   Beirut  °C
سياسة

من احتجاجات المعيشة إلى اختبار النظام: ماذا يحصل في إيران؟

لم تعد الاحتجاجات التي تشهدها إيران قابلة للاختزال بمطالب معيشية أو اعتراضات اقتصادية ظرفية. فما بدأ كغضب على انهيار العملة وارتفاع الأسعار، تحوّل تدريجيًا إلى مشهد مفتوح على احتمالات سياسية أوسع، يضع النظام الإيراني أمام اختبار داخلي بالغ الخطورة، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

اللافت أنّ شرارة التحرّكات انطلقت من قلب الأسواق ومن شريحة التجّار وأصحاب المحال، وهي فئة لطالما شكّلت مؤشرًا دقيقًا على عمق الأزمات في إيران. خروج هذه الشريحة إلى الشارع، أو لجوؤها إلى الإضراب وإغلاق المتاجر، يعكس وصول الضغط الاقتصادي إلى مستوى يصعب احتواؤه بالمعالجات التقليدية أو الوعود المؤجّلة.

 

الانخفاض الحاد في قيمة الريال الإيراني، التضخّم المتسارع وارتفاع أسعار المواد الأساسية، شكّلوا الخلفية المباشرة للاحتجاجات. غير أنّ هذا الانهيار لا يُقرأ بمعزل عن السياسات العامة للدولة ولا عن كلفة الخيارات الإقليمية والعقوبات الدولية، ما جعل الشارع الإيراني يربط بين معاناته اليومية وبنية القرار السياسي نفسه.

 

ومع توسّع التحرّكات، بدأ الخطاب الاحتجاجي يتجاوز مطلب "تصحيح اقتصادي"، ليتحوّل إلى مساءلة مباشرة للسلطة، لأولوياتها ولجدوى استمرار النهج القائم. هذا التحوّل يُعدّ الأخطر في مسار أي احتجاج، إذ ينقل الأزمة من حيز الإدارة الاقتصادية إلى أزمة ثقة وشرعية.

 

حتى الآن، يبدو أن مقاربة السلطة تقوم على ضبط الشارع أمنيًا أكثر مما تقوم على تقديم حلول جذرية. فالوعود الاقتصادية المحدودة، إن وُجدت، لم تُقابل بإجراءات ملموسة تخفف من حدّة الغضب، فيما يتقدّم الخيار الأمني كلما اتّسعت رقعة الاحتجاجات أو ارتفعت حدّة الشعارات.

 

هذا النهج لا يحدّ من الأزمة بقدر ما يراكمها، إذ إن تجارب المنطقة أثبتت أن القمع قد يؤخّر الانفجار، لكنه نادرًا ما يمنعه، بل غالبًا ما يوسّع دائرة الغضب ويمنحه بعدًا سياسيًا أعمق.

 

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تقف إيران أمام مسار شبيه بما شهدته سوريا؟

 

من حيث الشكل، تتشابه البدايات: احتجاجات مطلبية، قمع، ثم تصاعد سياسي. غير أنّ استنساخ السيناريو السوري يبقى مرتبطًا بتطوّرات لاحقة، أبرزها قدرة الشارع على الاستمرار، اتساع قاعدة الاحتجاجات وتحولها إلى حركة وطنية عابرة للمناطق والطبقات.

 

لكن المؤكد أنّ الأنظمة الديكتاتورية، في ظل التحوّلات الدولية والإقليمية، لم تعد قادرة على الاعتماد على القبضة الأمنية وحدها لضمان البقاء، خصوصًا حين يتحوّل الخوف إلى عبء والصمت إلى خيار مستحيل.

 

تزامنت الاحتجاجات مع القمة التي جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فتح باب التأويل حول وجود "ضوء أخضر" أميركي لإسقاط النظام الإيراني من الداخل.

 

حتى الآن، لا تظهر مؤشرات علنية على قرار أميركي مباشر بهذا الاتجاه، إلا أنّ الخطاب السياسي الأميركي المتشدّد، التصعيد الإعلامي وتوسيع دائرة الضغط على إيران، يخلق مناخًا سياسيًا يشعر فيه الشارع الإيراني بأن اللحظة مؤاتية لكسر حاجز الخوف.

 

وبينما تنفي طهران أي طابع داخلي مستقل للاحتجاجات وتصرّ على ربطها بتدخّل خارجي، يرى معارضون أن هذا الاتهام بحد ذاته يعكس عجز السلطة عن الاعتراف بجذور الأزمة الداخلية.

 

الأبرز في المشهد الحالي هو تحرّر الخطاب داخل إيران. فالمحتجّون لم يعودوا يكتفون بالتلميح أو بالاحتجاج الصامت، بل باتوا أكثر جرأة في توجيه الاتهامات ورفع السقف السياسي. هذا التحوّل لا يعني حسم المسار، لكنه يشير بوضوح إلى أن المجتمع الإيراني دخل مرحلة جديدة من المواجهة مع السلطة.

 

إيران اليوم أمام مفترق مصيري: إمّا الاستمرار في إدارة الأزمة بالقوة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر انفجار أوسع وإمّا مواجهة حقيقة الانهيار السياسي – الاقتصادي الذي يهدّد ركائز النظام. وفي الحالتين، بات واضحًا أن ما يحصل يتجاوز احتجاجًا عابرًا، ويدخل في خانة التحوّلات الكبرى التي قد تعيد رسم مستقبل البلاد والمنطقة.