January 14, 2026   Beirut  °C
سياسة

الاتفاقيات الإبراهيمية: من الاتصالات السرّية إلى التحوّل العلني… مسار أعاد رسم الشرق الأوسط

منذ صيف العام 2020، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة مع الإعلان عن الاتفاقيات الإبراهيمية التي وقّعتها مجموعة من الدول العربية مع إسرائيل، برعاية مباشرة من الولايات المتحدة.

 لم تكن هذه الخطوة مجرد إعلان عن تطبيع دبلوماسي، بل نقطة تحول عميقة أعادت ترتيب أولويات المنطقة، وفتحت الباب أمام تحالفات وتبدلات سياسية لم تكن ممكنة قبل سنوات قليلة.



بداية المسار: من القنوات غير السرّية إلى العلن

تعود جذور الاتفاقيات الإبراهيمية إلى سنوات من الاتصالات السرّية التي جمعت مسؤولين من بعض الدول العربية بإسرائيل، في سياق تعاون أمني وتقني متنامٍ، خصوصًا في مواجهة النفوذ الإيراني المتصاعد. ومع وصول إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى السلطة، انتقلت هذه الاتصالات من السرّية إلى مشروع سياسي واضح المعالم، يهدف إلى إعادة صياغة العلاقات العربية – الإسرائيلية ضمن إطار جديد من "السلام مقابل المصالح".


في 13 آب 2020، خرج هذا المسار إلى العلن مع الإعلان عن أول اتفاق تطبيع بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل. بعد أسابيع، لحقت البحرين بهذا التوجّه، قبل أن ينضم المغرب والسودان تباعًا، وكازاخستان هذا العام (في الولاية الثانية لترامب) في خطوة غير مسبوقة منذ اتفاقيات كامب ديفيد (1979) ووادي عربة (1994).


لماذا سُمّيت بـ"الاتفاقيات الإبراهيمية"؟

اختارت الولايات المتحدة اسم "اتفاقيات أبراهام" نسبة إلى النبي إبراهيم الذي تنتسب إليه الديانات السماوية الثلاث، اليهودية، المسيحية والإسلام، وهي تسمية اختيرت للإشارة إلى أَنَّ السلام ممكن بين الشعوب التي تتشارك إرثًا روحيًا واحدًا. كانت هذه التَّسمية جزءًا من استراتيجية لتخفيف حساسية كلمة "التطبيع" ولتقديم الاتفاق باعتباره مشروعًا حضاريًا لا سياسيًا فقط.


ما هي بنود إعلان "الاتفاقيات الإبراهيمية"؟

-    أهمية الحفاظ على السلام وتعزيزه في منطقة الشرق الأوسط وسائر أنحاء العالم، استنادًا إلى الفهم المتبادل، التعايش السلمي والاحترام لكرامة الإنسان وحريته، بما يشمل حرية الدين والمعتقد.

-    الدعوة إلى تعزيز الجهود الرامية إلى ترسيخ الحوار بين الأديان والثقافات، من أجل ترسيخ ثقافة السلام بين الديانات الإبراهيمية الثلاث، ولدى الإنسانية جمعاء.

-    الإيمان بأن السبيل الأمثل لمواجهة التحديات يتمثل في التعاون والحوار وأن تنمية العلاقات الودية بين الدول تخدم مصالح السلام الدائم في المنطقة والعالم.

-    السعي إلى ترسيخ قيم التسامح والاحترام لكل فرد، لبناء عالم يتمتع فيه الجميع بالحياة الكريمة والأمل، بغض النظر عن العرق أو الدين أو الأصل القومي.

-    دعم العلم، الفنون، الطب والتجارة، بوصفها أدوات لإلهام البشرية، تعظيم الإمكانات الإنسانية، وتعزيز التقارب بين الشعوب.

-    السعي إلى القضاء على التطرف والنزاعات، من أجل توفير مستقبل أكثر إشراقًا لأطفال العالم.

-    مواصلة العمل من أجل رؤية شاملة للسلام والأمن والازدهار في الشرق الأوسط والعالم بأسره.

-    وفي هذا الإطار، الترحيب بالتقدم المحرز في إقامة علاقات دبلوماسية بين إسرائيل ودول الجوار، بموجب المبادئ الواردة في الاتفاقيات الإبراهيمية.


دوافع الدول: الأمن أولًا… والاقتصاد شريك أساسي

لم تكن دوافع الدول الموقّعة واحدة، لكنها تلاقت عند ثلاث نقاط رئيسية:


أ- الأمن الإقليمي

رأت الإمارات والبحرين في الاتفاقيات إطارًا لتعزيز التعاون الأمني مع الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة التهديد الإيراني، وسعيًا للحصول على تكنولوجيا متقدمة كانت محظورة سابقًا.


ب- المصالح الاقتصادية

شكلت الاتفاقيات فرصة لتطوير العلاقات التجارية، السياحية والاستثمارية، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني والطاقة.


ج- العلاقات مع واشنطن

رغبت بعض الدول في تقوية موقعها لدى الإدارة الأميركية، والحصول على دعم سياسي أو اعترافات دبلوماسية كما حدث في حالة المغرب، حيث ربط الاتفاق باعتراف واشنطن بسيادته على الصحراء الغربية.


بين الرمز والواقع: ماذا حقّقت الاتفاقيات؟

فتحت الاتفاقيات أبوابًا واسعة للتعاون الثنائي، وشهدت الشهور الأولى توقيع عشرات الاتفاقات في مجالات الطيران، المصارف، التكنولوجيا، الزراعة والبحث العلمي. كما ارتفع حجم التبادل التجاري بشكل سريع، خصوصًا بين الإمارات وإسرائيل.


في المقابل، أثار المسار اعتراضات واسعة داخلَ الشارع العربي الذي اعتبر أنّ التطبيع حدث من دون مقابل سياسي حقيقي للفلسطينيين، خصوصًا وأنّ الاستيطان لم يتوقف وأنّ الحديث عن حل الدولتين بَقِيَ مُعلّقًا.


القضية الفلسطينية: الغائب الحاضر

كان الفلسطينيون الخاسر الأكبر سياسيًا من هذه الاتفاقيات. فالسلطة الفلسطينية رأت فيها تجاوزًا للمبادرة العربية للسلام، وتخلّيًا عن مبدأ "الأرض مقابل السلام". أما الدول الموقّعة، فدافعت عن موقفها بالقول إن التطبيع قد يُستخدم كورقة ضغط لإبقاء الحل السياسي حيًا، وأن القطيعة السابقة لم تُنتج سوى الجمود. لكن الواقع يؤكد أن الاتفاقيات حتى اليوم لم تُحدث أي اختراق في مسار التفاوض الفلسطيني – الإسرائيلي، ما أبقى الخلاف السياسي العربي – العربي مفتوحًا حول جدوى هذا المسار.


الحرب على غزة: الاختبار الأصعب

شكّلت حرب غزة (2023–2025) اختبارًا غير مسبوق للاتفاقيات الإبراهيمية. فمع تصاعد القصف وسقوط آلاف الضحايا، ارتفعت موجة الغضب الشعبي في الدول العربية، وواجهت الحكومات التي وقّعت الاتفاقيات ضغوطًا داخلية غير مسبوقة.

وعلى الرَّغمِ من تجميد بعض مظاهر التعاون العلني، لم تُقدِم أي دولة على إلغاء الاتفاقيات، في إشارة إلى أن المصالح الاستراتيجية التي أدت إلى توقيعها لا تزال قائمة وأن التحوّل الذي مثّلته أعمق من أن يُلغى في لحظة غضب أو تصعيد.


مشهد إقليمي جديد… ومستقبل مفتوح

أعادت الاتفاقيات الإبراهيمية رسم خريطة الشرق الأوسط عبر خلق محور سياسي – اقتصادي جديد يجمع الإمارات، البحرين، المغرب، إسرائيل والولايات المتحدة. في المقابل، ازدادت حدّة المواجهة مع المحور المقابل المتمثل بإيران وحلفائها، ما جعل الاتفاقيات جزءًا من صراع النفوذ الإقليمي.


وعلى الرغم من الانتقادات الكبيرة، فإنّ الواقع يشير إلى أن الاتفاقيات أصبحت أمرًا واقعًا، وأن مستقبلها مرتبط بعوامل عدة، أبرزها:


أ- مآلات الحرب على غزة

ب- الدور الأميركي في رعاية أي مسار سياسي

ج- الموقف السعودي الذي بات عنصرًا حاسمًا في مستقبل المنطقة

د- مدى استعداد إسرائيل لتقديم خطوة تُعيد التوازن إلى الملف الفلسطيني


ليست الاتفاقيات الإبراهيمية مجرد وثائق سلام، بل محطة مفصلية تعكس تحولات عميقة في بنية الشرق الأوسط وتوازناته. هي نتاج تقاطع مصالح أمنية واقتصادية وسياسية، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالًا أبعد: هل يمكن بناء شرق أوسط جديد من دون حلّ جذري للقضية الفلسطينية؟