July 25, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

نسيب غبريل: خطوط التصدير الجديدة تساعد جزئيا.. و20% من استهلاك الطاقة العالمي يمر عبر هرمز

مع كل أزمة تضرب حركة الملاحة في المنطقة، يعود الحديث عن مدى قدرة الدول المنتجة للطاقة على تأمين طرق أخرى لتصدير نفطها. وفي هذا السياق، عاد خط كركوك - بانياس إلى الواجهة مع توقيع العراق وسوريا اتفاقا لإعادة إحياء هذا المسار بالتعاون مع شركة "Chevron" في مشروع يعيد طرح فكرة ربط العراق بالبحر المتوسط كمنفذ إضافي للصادرات.

لكن هذا المشروع لا يأتي منفردا، فالسعودية تمتلك خط الشرق - الغرب نحو البحر الأحمر، والإمارات طورت مسار الفجيرة، في وقت تبحث فيه دول المنطقة عن تعزيز خياراتها أمام أي اضطراب قد يطال طرق تصدير النفط. فهل نحن أمام تحول فعلي في خريطة تصدير الطاقة، أم أن هذه المشاريع ستبقى مجرد خطوط مساندة لا تستطيع أن تحل مكان مضيق هرمز؟

وفي قراءة لهذا المسار، أكد الباحث في الشؤون الاقتصادية والمالية الدكتور نسيب غبريل أن الاتجاه العراقي نحو إعادة إحياء خط كركوك - بانياس يأتي ضمن مسعى لتنويع طرق تصدير الطاقة والبحث عن مسارات إضافية بعيدا عن الاعتماد الكامل على مضيق هرمز، مشددا على أن هذا المشروع لا يزال في مرحلة التخطيط، ويحتاج إلى وقت طويل واستثمارات كبيرة قبل أن يتحول إلى مشروع عملي على الأرض.


وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن العراق ليس الدولة الوحيدة التي تبحث عن قنوات إضافية لتصدير الطاقة، مشيرا إلى أن السعودية سبقت ذلك عبر خط الشرق - الغرب الذي يصل إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، فيما طورت الإمارات مسار الفجيرة. إلا أنه اعتبر أن هذه المشاريع لا تشكل بدائل فعلية عن مضيق هرمز، بل هي طرق إضافية تسمح بتصدير جزء من الإنتاج، ولا تستطيع استيعاب الكميات الكبيرة التي تمر عبر المضيق.


ولفت غبريل إلى أن مضيق هرمز يبقى ممرا حيويا للطاقة العالمية، إذ يعبر من خلاله نحو 20% من استهلاك الطاقة العالمي، مشيرا إلى أن اندلاع الحرب الأخيرة أظهر مدى أهمية هذا الممر، بعدما أدى تعطل حركة الملاحة فيه إلى تداعيات كبيرة على إنتاج وتصدير النفط والغاز من معظم دول الخليج.


وفي ما يتعلق بالسعودية، بيّن أن خط الشرق - الغرب الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر يستطيع تصدير نحو أربعة ملايين برميل يوميا تقريبا، وهو ما يمثل جزءا من الصادرات السعودية، لكنه لا يملك القدرة على استيعاب كامل الكميات التي كانت تصدر عبر مضيق هرمز، وبالتالي لا يمكن اعتباره بديلا كاملا عن المضيق، بل وسيلة لتنويع قنوات التصدير.


ولفت غبريل إلى أن هذا المسار يواجه بدوره تحديات أمنية، خصوصا مع تهديدات الحوثيين لحركة الملاحة في البحر الأحمر، التي لم تقتصر على ناقلات النفط، بل شملت السفن التجارية المتجهة إلى المملكة، موضحا أن عددا من شركات الشحن أوقف استخدام البحر الأحمر وباب المندب، فيما اضطرت بعض الناقلات إلى الالتفاف حول القارة الأفريقية للوصول إلى الموانئ السعودية، ما يعكس حجم التعقيدات التي تواجه حتى المسارات البديلة.


أما بالنسبة إلى خط كركوك - بانياس، فأكد أنه لا يزال في إطار الخطة ولم ينتقل بعد إلى مرحلة التنفيذ، موضحا أن تحويله إلى مشروع فعلي يحتاج إلى الكثير من العمل والاستثمارات والوقت. وقال إن قدرة هذا الخط على تعويض جزء من صادرات العراق تبقى غير واضحة، خصوصا وأن العراق يعتمد بشكل كبير على النفط، إذ تأتي نحو 90% من إيرادات الموازنة العامة من تصديره.


وأشار غبريل إلى أن العراق كان من أكثر الدول تضررا من اضطرابات مضيق هرمز، معتبرا أن أي تعطيل للصادرات ينعكس مباشرة على اقتصاده، مع توقعات بأن يسجل الاقتصاد العراقي خلال العام 2026 انكماشا بنسبة 15%، وهو من أسوأ الأداءات الاقتصادية بين الدول العربية المتأثرة بتداعيات الحرب. وشدد، في المقابل، على أن خط كركوك - بانياس، حتى في حال تنفيذه، لن يكون قادرا على تصدير الكميات الضخمة التي كان العراق يصدرها عبر مضيق هرمز.


وبالنسبة إلى الإمارات، أوضح أن مسار الفجيرة يندرج أيضا ضمن سياسة إيجاد مخرج إضافي لتصدير الطاقة، وليس ضمن مشروع لإلغاء الاعتماد على مضيق هرمز، معتبرا أن الحديث عن تحول جذري في خريطة تصدير الطاقة لا يزال مبكرا، لأن هذه المشاريع جميعها لا تستوعب إلا جزءا من الصادرات النفطية.


وشدد غبريل على أن التجربة خلال فترات إغلاق مضيق هرمز أظهرت أن الدول لم تستطع نقل كامل صادراتها إلى هذه المسارات، بل اضطرت إلى خفض الإنتاج، مع استخدام جزء من قدراتها التصديرية عبر الموانئ البديلة. لذلك، فإن هذه المشاريع لا تنافس مضيق هرمز ولا تحل مكانه، لكنها تمنح الدول المنتجة هامشا أكبر من المرونة وتنويعا في قنوات التصدير.


وعن تأثير هذه المشاريع على أسواق النفط العالمية، اعتبر أن انعكاسها يبقى جزئيا، لأنها لا تستوعب كامل الكميات التي كانت تمر عبر المضيق، لافتا إلى أن أسعار النفط ارتفعت إلى حدود 100 دولار وأكثر مع تصاعد التوترات وإغلاق مضيق هرمز والتهديدات التي طالت الملاحة في البحر الأحمر، فيما تراجعت الأسعار مع عودة الحركة جزئيا، على الرغم من بقاء مئات الناقلات بانتظار العبور خلال مراحل التصعيد.


ورأى غبريل أن مضيق هرمز لن يفقد أهميته في المدى المنظور، لأن العالم لا يزال يعتمد بشكل أساسي على النفط والغاز، معتبرا أن الحل لا يكمن في إيجاد بدائل كاملة للمضيق، بل في وقف استخدامه كورقة ضغط أو ابتزاز سياسي، وعدم استهداف السفن وناقلات الطاقة في مضيق هرمز أو البحر الأحمر. وقال إن المسارات الجديدة ستبقى قنوات إضافية تساعد جزئيا في تخفيف المخاطر، لكنها لن تحل مكان المضيق الذي سيبقى ممرا حيويا للطاقة العالمية.


في نهاية المطاف، لا تبدو هذه المشاريع بدائل قادرة على إلغاء دور مضيق هرمز، بل مسارات إضافية للتخفيف من تداعيات أي أزمة. لكن طالما بقي المضيق جزءا من حسابات الصراع الإقليمي ويستخدم كورقة ضغط من قبل إيران، ستستمر الدول المنتجة في البحث عن منافذ أكثر أمانا، من دون أن يعني ذلك تجاوز أهمية هذا الممر الحيوي.