July 06, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

جاسم عجاقة: مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران صفقة!

بعدما أعاد رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، تسليط الضوء على مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، من خلال حديثه عن إمكان تحويلها إلى فرصة لتوسيع التعاون الاقتصادي مع الدول الصديقة، عاد النقاش حول ما إذا كانت هذه التفاهمات قادرة على الانتقال من الإطار السياسي إلى مرحلة التنفيذ الاقتصادي.

وفي وقت لا تزال فيه المفاوضات محكومة بمهلة الستين يومًا، وبملفات خلافية لم تُحسم بعد، تبرز تساؤلات حول مدى واقعية الرهانات المطروحة، وما إذا كانت أي تفاهمات محتملة ستنعكس على اقتصاد المنطقة، وهل يستطيع لبنان الاستفادة منها في ظل أزمته الداخلية؟


في هذا الإطار، قدّم أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية، البروفسور جاسم عجاقة، قراءة اقتصادية وجيوسياسية لمذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، معتبرًا أن حديث رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، عن إمكانية تحويلها إلى فرصة لتوسيع التعاون الاقتصادي مع الدول الصديقة، يندرج في إطار محاولة إيرانية للاستفادة السريعة من هامش التفاوض، أو ما وصفه بـ"تسييل التنازلات الأميركية" ضمن هذا المسار.


وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن وزارة الخزانة الأميركية أصدرت ما يُعرف بـ  General License X، وهي رخصة عامة سمحت، بشكل جزئي، بإعادة تصدير النفط والمشتقات النفطية الإيرانية، ما أدى إلى استئناف تدفقات مالية لإيران من عائدات النفط تُقدّر بمئات ملايين الدولارات، وقد تصل إلى مليارات الدولارات، إضافة إلى نحو 12 مليار دولار من الأموال المجمدة التي يجري الحديث عن الإفراج عنها.


ولفت عجاقة إلى أن الحديث عن إمكانية الوصول إلى نحو 300 مليار دولار مخصصة لإعادة الإعمار والتنمية في إيران يبقى مرتبطًا بمسار التفاوض وفترة الستين يومًا، مؤكدًا أن الانتقال إلى أي مرحلة تنفيذية يتطلب اتفاقًا فعليًا، وليس مجرد تعهدات.


وأضاف أن هناك اعتراضات أوروبية وخليجية كبيرة على هذا المسار، خصوصًا في ما يتعلق بملف مضيق هرمز وفرض رسوم أو نفوذ إيراني عليه، إضافة إلى ملف الصواريخ الباليستية، الذي يشكل نقطة خلاف أساسية في أي تفاهم محتمل.


وأوضح عجاقة أن أي زيادة في صادرات النفط الإيرانية تعني دخول كميات إضافية إلى الأسواق العالمية، ما يؤدي إلى انخفاض أسعار النفط عالميًا، وهو ما ينعكس سلبًا على الدول الخليجية، خصوصًا تلك المدعوة للمشاركة في تمويل مشاريع إعادة الإعمار في إيران، لافتًا إلى أن انخفاض أسعار النفط، بالتزامن مع الضغوط المرتبطة بتمويل مشاريع إعادة الإعمار، يفرض أعباءً إضافية على الدول الخليجية.


وفي سياق آخر، أشار إلى أن أي تقدم في هذا المسار قد يؤدي إلى تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية، أو ما يُعرف بـ "Insurance Premium"، والتي كانت تُفرض نتيجة التوترات الإقليمية، بحيث يؤدي أي تهدئة أو تقدم في التفاهمات إلى انخفاض هذه الكلفة، أو اختفائها تدريجيًا، وإلى تحريك الحركة التجارية في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، في حال تفعيل خطط إعادة الإعمار والتمويل.


أما في ما يتعلق بلبنان، فرأى عجاقة أن أي انفراج جيوسياسي بين واشنطن وطهران يمكن أن ينعكس إيجابًا من خلال تخفيف التوتر الإقليمي غير المباشر، وتراجع القيود غير المعلنة على الاستثمارات والمساعدات. إلا أنه شدد على أن قدرة لبنان على الاستفادة تبقى محدودة بسبب أزمته الداخلية العميقة، المتمثلة في الانهيار المصرفي، وأزمة الودائع، وتراجع القطاع العام، والحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة.


وأكد أن أي استفادة فعلية تبقى مشروطة بإصلاحات أساسية تبدأ بإعادة هيكلة القطاع المصرفي، ثم القطاع العام بشقيه الإداري والمؤسسي، وإعادة هيكلة الدين العام، إضافة إلى مكافحة اقتصاد الكاش، وإقرار قانون الكابيتال كونترول، ومعالجة الفجوة المالية المرتبطة بالتزامات الدولة تجاه المصارف والمودعين، مشددًا على أن التقدم الفعلي يبقى مرهونًا بالتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، باعتباره شرطًا أساسيًا لأي انفتاح اقتصادي فعلي.


وختم عجاقة بأن ما يجري هو صفقة جيوسياسية تُستخدم فيها الأدوات الاقتصادية كوسائل ضغط ضمن مسار تفاوض سياسي، بحيث يتم توظيف العقوبات، والتسهيلات النفطية، والرخص العامة كأدوات ضغط، على أن تبقى النتائج الاقتصادية مرهونة بمآلات هذا المسار.


وعليه، فإن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران ستحمل انعكاسات اقتصادية تتجاوز حدود البلدين لتطال المنطقة بأسرها، إلا أن هذه الانعكاسات تبقى مرتبطة بمدى التزام الطرفين ببنود مذكرة التفاهم، وترجمتها إلى خطوات عملية بعد انتهاء مهلة الستين يومًا.