في بلدٍ اعتاد أن ينهض من بين الركام، وأن يصنع من الأزمات مساحة للأمل، يعود مهرجان "أعياد بيروت" هذا الصيف حاملاً شعارًا يختصر الكثير من المشاعر والأسئلة والتحديات: "ويبقى لبنان".
ليس مجرد عنوان لدورة جديدة، بل موقف ثقافي وإنساني في لحظة دقيقة يعيشها اللبنانيون. فبينما اختارت مهرجانات عديدة التوقف أو التأجيل بسبب الظروف الراهنة، قرر القائمون على "أعياد بيروت" الاستمرار، انطلاقًا من قناعة بأن غياب الفن والثقافة يعني خسارة جزء أساسي من هوية لبنان وروحه.
ويؤكد رئيس لجنة مهرجان أعياد بيروت، أمين أبي ياغي، أن اختيار شعار "ويبقى لبنان" لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل خلاصة شعور جماعي بأن البلد لا يُختصر بأزماته. فبحسبه، كان واضحًا أن غياب المهرجانات هذا العام يعني تراجعًا إضافيًا في الحياة الثقافية، لذلك جاء الشعار ليحمل رسالة صريحة: رغم كل شيء… لبنان يبقى.
هذا العام، تفرض الظروف تغييرًا استثنائيًا في المكان. فبعد سنوات ارتبط فيها اسم المهرجان بالعاصمة، تنتقل "أعياد بيروت" إلى أنطلياس. انتقال لا يخفي أبي ياغي أنه جاء نتيجة الظروف الراهنة، لكنه لا ينظر إليه كخسارة بقدر ما يراه مساحة بديلة تسمح باستمرار الفعل الثقافي بدل توقفه.
ويشير إلى أن أنطلياس، لقربها من بيروت، ليست خروجًا من المدينة بل امتدادًا لها، ما يجعل التجربة الحالية محطة استثنائية قد تفتح لاحقًا باب العمل في أكثر من موقع إذا سمحت الظروف.
وعلى مستوى البرنامج الفني، حرصت إدارة المهرجان على الجمع بين الأسماء التي رافقت "أعياد بيروت" على مدى السنوات الماضية وبين وجوه جديدة تنضم إلى الحدث للمرة الأولى. ويوضح أبي ياغي أن هناك فنانين باتوا يشكلون جزءًا من هوية المهرجان، تربطهم علاقة ثقة متبادلة مع الإدارة والجمهور، لذلك فإن حضورهم المتكرر يعكس استمرارية طبيعية في أي مهرجان كبير.
وفي المقابل، تحمل هذه الدورة أسماء جديدة مثل عبير نعمة، والأخرس، ومروان خوري، وإبراهيم معلوف، إلى جانب فنانين ارتبطوا سابقًا بالمهرجان مثل إليسا، وغي مانوكيان، وجون أشقر، وجوزيف عطية. ويؤكد أبي ياغي أن البرنامج الحالي يُعد من الأقوى رغم كل الظروف، كاشفًا أن أسماء أخرى كانت مطروحة لكنها لم تتمكن من المشاركة بسبب الارتباطات.
ورغم التحديات، حافظ المهرجان على هويته الفنية والثقافية. فهذه السنة تغيب الأسماء العالمية القادمة من أوروبا والولايات المتحدة، وهو أمر يربطه أبي ياغي بالظروف الراهنة، إلا أن الهدف بقي واضحًا: إبقاء لبنان حاضرًا على خريطة الفعل الثقافي والفني.
لكن بالنسبة إلى أمين أبي ياغي، فإن "أعياد بيروت" لم يعد مجرد مهرجان موسيقي. هو مساحة مواجهة هادئة، تقول إن الثقافة قادرة على الاستمرار حتى عندما تتراجع كل القطاعات الأخرى.
ويضيف أن اللبنانيين، سواء المقيمون أو المغتربون العائدون خلال الصيف، لا يبحثون فقط عن حفلات، بل عن لحظات حياة طبيعية وسط ضغط يومي كبير. ومن هنا، تصبح الموسيقى فعلًا أقرب إلى إعادة التوازن النفسي والمعنوي، لا مجرد ترف.
أما عن أصعب التحديات التي واجهت المهرجان هذا العام، فيكشف أبي ياغي أن التحضيرات بدأت منذ بداية السنة على أساس برنامج مختلف تمامًا، قبل أن تفرض التطورات الأمنية والحرب إعادة تقييم شاملة لكل شيء.
وبعد فترة طويلة من التردد والبحث عن حلول، اتُّخذ القرار بالمضي قدمًا، مع نقل الفعاليات إلى أنطلياس بدلًا من بيروت. قرار لم يكن سهلًا، لكنه جاء كخيار وحيد يضمن عدم توقف المهرجان بالكامل.
ويختصر أبي ياغي التجربة بجملة تحمل الكثير من الواقع: العمل الثقافي في لبنان اليوم يشبه السير في مساحة مليئة بالمخاطر، لكن التوقف ليس خيارًا.
هكذا يعود "أعياد بيروت" في 16 تموز، ليس كبرنامج حفلات فقط، بل كإعلان إصرار على أن لبنان، رغم كل شيء، ما زال قادرًا على أن يُقام فيه فن، ويُسمع فيه صوت، وتُصنع فيه حياة.
ويبقى لبنان… رغم كل شيء.

إيلي مكرزل