March 10, 2026   Beirut  °C
مقال الكاتب

ستة صواريخ أعادت كشف الحقيقة المرة

تتكرر في لبنان مفارقة تكاد تتحول إلى قاعدة ثابتة في الحياة السياسية: قرارات كبرى تهز البلاد، ثم تُروى لاحقاً روايات عن "صدمة" المسؤولين مما جرى. هذه المرة جاءت الرواية على لسان عدد ممن التقوا الرؤساء الثلاثة: رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، رئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري. فقد نقل هؤلاء أن الرؤساء عبّروا عن صدمتهم من إقدام "حزب الله" على إطلاق الصواريخ الستة، وهي الخطوة التي أدخلت لبنان مجدداً في دائرة حرب كان بالإمكان تجنبها.


غير أن ما يثير الاستغراب في هذا المشهد ليس إطلاق الصواريخ بحد ذاته، بل هذه الصدمة المعلنة. فالأمين العام لـ "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم لم يُخفِ في خطاباته الأخيرة أن الحزب لن يبقى مكتوف الأيدي، وأن الرد سيأتي في اللحظة التي يراها مناسبة. بل إن نواب الحزب والإعلاميين القريبين منه ذهبوا أبعد من ذلك، إذ تحدثوا صراحة في مقابلات إعلامية ومقالات وتحليلات عن أن الحزب يعيد ترميم قدراته العسكرية بعد الحرب الأخيرة، وأنه يواصل تلقي المال والسلاح بطرق مختلفة، وأنه يستعد لمرحلة جديدة من المواجهة.


هذه المعطيات لم تكن سراً. لقد قيلت على الشاشات وفي الصحف والمواقع الإلكترونية، وتكررت في النقاشات السياسية. وبالتالي، فإن ما جرى لم يكن مفاجأة بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل كان تطوراً متوقعاً ضمن مسار واضح. فالحزب، في بنيته العقائدية والتنظيمية، يشكل جزءاً من منظومة الحرس الثوري الإيراني، ومن الطبيعي أن يتحرك في اللحظة التي يرى فيها أن الخطر يقترب من إيران أو من مرشدها، لا العكس كما كان يعتقد أو يتمنى بعض اللبنانيين.


ورغم ذلك، يُنقل عن الرؤساء الثلاثة أن الحزب كان قد أعطى ضمانات بعدم التدخل في هذه الحرب. إلا أن التجارب السابقة مع الحزب، ولا سيما في الملفات العسكرية، لا توحي بأن الضمانات تشكل قاعدة صلبة يمكن الركون إليها. فالسوابق كثيرة، سواء في الداخل اللبناني أو في المنطقة، حيث لم يكن الالتزام بالتفاهمات أو التعهدات أمراً ثابتاً.


وفي السياق السياسي أيضاً، لا تبدو الذاكرة بعيدة. فالرئيس نواف سلام، الذي يقود اليوم الحكومة، يعرف جيداً تجربة الرئيس سعد الحريري مع الحزب، وكيف انقلبت موازين السلطة عام 2011 وأسقطت حكومته في لحظة سياسية حاسمة. وهي تجربة شكّلت درساً واضحاً في كيفية تبدل التحالفات والضمانات في السياسة اللبنانية عندما تتقاطع الحسابات الداخلية مع الأجندات الإقليمية.


أما في البيئة الحاضنة للحزب، فلا تبدو الصدمة موجودة أصلاً. على العكس، تشير المؤشرات إلى أن هذه البيئة تؤيد ما يقوم به الحزب، حتى لو كان الثمن باهظاً على مستوى الدولة اللبنانية واقتصادها واستقرارها. من هنا، فإن الطرف الوحيد الذي يملك حق الشعور بالصدمة هو الشعب اللبناني، الذي استمع طويلاً إلى خطاب القسم والبيان الوزاري وقرارات مجلس الوزراء، ولا سيما تلك التي اتخذت في الخامس والسابع من آب، والتي وعدت بإعادة الاعتبار للدولة وسيادتها، لكنها بقيت حتى الآن حبراً على ورق.


وقبل أيام فقط من إطلاق الصواريخ، حذّر الدكتور صالح المشنوق من احتمال قيام الحزب بعمل عسكري قد يجر البلاد إلى مواجهة جديدة، مطالباً الدولة بنشر الجيش في الجنوب وعلى الحدود، ومراقبة أي تحرك قد يؤدي إلى إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، سواء من قبل الحزب أو أي فصيل آخر. كان اقتراحاً بسيطاً من حيث المبدأ: انتشار عسكري واضح ورقابة ميدانية تمنع أي تصعيد غير محسوب.


لكن مثل هذا الإجراء لم يُنفذ. والسبب لا يعود إلى تعقيد الخطط العسكرية أو الحاجة إلى مؤتمرات واجتماعات، بل إلى واقع سياسي وأمني بات معروفاً: قرارات من هذا النوع لا تُطبق بالتراضي. فلا أمن بالتراضي، ولا سيادة بالتراضي، ولا دولة تُبنى بالتفاهمات الشكلية.


المشهد الذي أعقب إطلاق الصواريخ أعاد تأكيد حقيقة يعرفها اللبنانيون جيداً: أن الحزب، رغم كل ما جرى في السنوات الأخيرة، لا يزال يمسك بجزء كبير من مفاصل الدولة العميقة. وأن القرار النهائي في القضايا المصيرية لا يصنع في بعبدا ولا في اليرزة، بل في طهران.


كما أثبتت التجربة مجدداً أن القرارات الحكومية، مهما بدت سيادية أو جريئة على الورق، تبقى بلا قيمة إن لم تُنفذ. وأن بناء الدولة لا يتم بالشعارات ولا بالبيانات، بل بامتلاك الإرادة والقدرة على فرض القرار.


وفي النهاية، كشفت هذه المحطة مرة أخرى عن معادلة لبنانية قاسية: دولة تعلن سيادتها في التصريحات، لكنها تعجز عن فرضها على الأرض. وبين الصدمة المعلنة والواقع المعروف، يبقى لبنان يدفع ثمن التردد السياسي وغياب القرار الحاسم.